ابن عطاء الله السكندري
61
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
حسي حيواني كشهوتي البطن والفرج ، ومنها ما هو ملكوتي نفسي كالصفات القلبية المتضادة : الكبر والتواضع ، والحسد وسلامة الصدر ، والغلظة واللين ، وحب الغنى والأغنياء وكراهة الفقر والفقراء وغير ذلك . ومنها ما هو روحي جبروتي كمراقبة الإنسان المسلم للّه تعالى وشعوره أنه في حضرته من حيث أنه سبحانه وتعالى شاهده وناظره ومطلع عليه . إن الشريعة الإسلامية لم تترك الإنسان يسير على غير هدى باحثا عن هذه الاحتياجات ، بل جاءت بما يشبع هذه القوى المادية والروحية على السواء ، فشرعت أركان الدين الإسلامي الثلاثة : الإسلام والإيمان والإحسان . إن الإسلام يتضمن أحكام ظاهر الإنسان بما في ذلك من ماديات ، والإيمان يتضمن أحكام باطن الإنسان القلبي بما في ذلك من ملكوت ، والإحسان يتضمن أحكام باطن الإنسان الروحي بما في ذلك من جبروت . والإنسان المسلم إذا التزم الدين الإسلامي بأركانه الثلاثة سالفة الذكر الإسلام والإيمان والإحسان ، يكون بذلك خارجا عن أوصاف بشريته المناقضة لعبوديته للّه تعالى ، ويكون لنداء الحق مجيبا ومن حضرته قريبا ، وتفصيل شرح ذلك أن نقول : إن الإنسان مطالب بأن يكون عبدا خالصا للّه تعالى ، بأن يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ، والنفس والشيطان وشهوات الدنيا يعملون على منع الإنسان من الخضوع للّه تعالى ، فيجعلونه يتخلّق بالأوصاف البشرية المناقضة لعبوديته للّه تعالى . فبالنسبة لظاهره وجوارحه ، يرتكب المخالفات الشرعية لجهله بفقه الحلال والحرام ، فلا يطيع اللّه تعالى بل يعصيه ، فلا يؤدي الفرائض من صلاة وزكاة وصيام وحج ، ويشبع شهوتي بطنه وفرجه من الحرام . وبذلك يكون مخالفا لأوصاف عبوديته المتعلقة بمقام الإسلام . وبالنسبة لنفسه وقلبه يتركهما دون تربية فيتخلّق بالأوصاف الذميمة وهي أخلاق الشياطين كالكبر والحسد والحقد والغضب والبطر والغلظة والبخل والشح والرياء والعجب والكذب وغير ذلك من أوصاف مناقضة لعبوديته في مقام الإيمان . وبالنسبة لروحه يترك الإخلاص والصبر والتوكل والتواضع والزهد والحياء والقناعة ، وصدق التوجه إلى اللّه تعالى والاعتماد عليه ، ويترك الخشوع ومراقبة اللّه سبحانه وتعالى في السر والعلن ، وغير ذلك من صفات مناقضة لعبوديته في مقام الإحسان ، وهو مقام : أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .