ابن عطاء الله السكندري

37

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

وقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم في باب الإيمان عند شرحه لحديث سؤال جبريل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم » فيه أنّ الإيمان والإسلام والإحسان تسمى كلها دينا . واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعا من العلوم والمعارف والآداب واللطائف بل هو أصل الإسلام كما حكيناه عن القاضي عياض » . إن النصوص المتقدمة تبين لنا أن الدين الإسلامي الذي أكمله اللّه تعالى وارتضاه لنا ، ولا يقبل غيره من أحد من العالمين ، هو مجموع الإسلام والإيمان والإحسان . وهذا يقتضي أن الإنسان المعتنق للدين الإسلامي لا يكون مسلما كاملا إلا إذا كان مسلما مؤمنا محسنا . وإذا قصر في أصل من هذه الأصول الثلاثة ، يكون بذلك قد نزل عن درجة اكتمال دينه الإسلامي الذي يعتنقه . فإذا قصر بأحد أركان الأصل الأول الذي هو الإسلام اختلّ سلوكه ، لأن الإسلام هو مظاهر سلوكية . وإذا قصّر أو أخلّ بأحد أركان الأصل الثاني الذي هو الإيمان اختلّ أو بطل اعتقاده ، لأن الإيمان علم اعتقادي تصديقي . وإذا عطل أو قصر في أحد ركني الإحسان ضعف واختل يقينه وتحققه بالإسلام والإيمان ، لأن الإحسان عبارة عن المراقبة والخشوع والخضوع للّه تعالى ليتحقق بالإسلام والإيمان . ونتيجة للتقصير في أصل من هذه الأصول الثلاثة أو في ركن من أركانها يكون الاختلال في الغايات والثمرات ، التي هي الفوز والنجاة والسعادة في الدنيا والآخرة . وغالب تقصير المسلمين اليوم يتعلق بالإحسان ، لذلك انخرم سلوكهم ، وفسدت عقيدتهم ، وضعفت مراقبتهم للّه تعالى ، فقلّت خشيتهم ، ونقص يقينهم ، فتهاونوا في دينهم . وحال المسلمين هذا يستدعي تأخرهم في دنياهم ، وخذلان ربهم لهم بعدم نصرهم ، لأن الحق تعالى علّق نصره للمسلمين بنصرهم له تعالى ، وذلك يتحقق بالأخذ والعمل بمجموع دينه الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان . ونختم كلامنا هذا بنص للإمام ابن قيم الجوزية اخترناه من كتابه القيّم ( مدارج السالكين شرح منازل السائرين ) يوضح فيه أهمية الأصل الثالث من أصول الدين الإسلامي الذي هو « الإحسان » حيث يقول : ومن منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] منزلة « الإحسان » وهي لب الإيمان وروحه وكماله . وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل ، فجميعها منطوية فيها ، وكل ما قيل من أول الكتاب إلى هنا فهو من