ابن عطاء الله السكندري

15

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إذا همّ أحدكم بحسنة كتبت له حسنة » تشريع . والحاصل أن القرآن تقيده السنّة والسنّة يقيدها القرآن ، فالواجب على الإنسان أن تكون له عينان : إحداهما تنظر إلى الحقيقة ، والأخرى تنظر إلى الشريعة ، فإذا وجد القرآن قد شرع فلا بد أن يكون قد حقق في موضع آخر أو تحققه السنة ، وإذا وجد السنة قد شرعت في موضع فلا بد أن تكون قد حققت في موضع آخر أو حققها القرآن ، ولا تعارض حينئذ بين الآية والحديث ، ولا إشكال . وهنا جواب آخر : وهو أن اللّه تعالى لما دعا الناس إلى التوحيد والطاعة على أنهم لا يدخلون فيه من غير طمع فوعدهم بالجزاء على العمل ، فلما رسخت أقدامهم في الإسلام أخرجهم عليه الصلاة والسلام من ذلك الحرف ورقاهم إلى إخلاص العبودية والتحقق بمقام الإخلاص ، فقال لهم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » واللّه تعالى أعلم » . انتهى . فالشريعة أن تعبده ، والطريقة : أن تقصده ، والحقيقة : أن تشهده . أو تقول : الشريعة لإصلاح الظواهر ، والطريقة لإصلاح الضمائر ، والحقيقة لإصلاح السرائر . قال بعض المحققين : من بلغ إلى حقيقة الإسلام لم يقدر أن يفتر عن العمل ، ومن بلغ إلى حقيقة الإيمان لم يقدر أن يلتفت إلى العمل بسوى اللّه ، ومن بلغ إلى حقيقة الإحسان لم يقدر أن يلتفت إلى أحد سوى اللّه . قال بعض الصوفية في بيان ترابط هذين العلمين وتعاونهما في تكوين شخصية المسلم الكامل ظاهرا وباطنا ، حسا ومعنى ، مادة وروحا : « حقيقة بلا شريعة باطلة ، وشريعة بلا حقيقة عاطلة » . وقال الإمام مالك : « من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق » . فهما للمسلم كجناحي الطائر لا يستقل بأحدهما دون الآخر . إن الحديث عن الشريعة والطريقة والحقيقة يدفعنا إلى الحديث عن العوالم الوجودية الثلاث : الملكية والملكوتية والجبروتية ، التي يجمعها الإنسان بكينونته الجامعة لنفسه وقلبه وروحه ، كما يدفعنا إلى الحديث عن مبدأ الدين الإسلامي ووسطه وكماله : الإسلام والإيمان والإحسان . وأبدأ بالحديث عن حقيقة الإنسان .