ابن عطاء الله السكندري

133

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

وأمّا حسن الظّنّ باللّه فبخ بخ بمن منّ اللّه عليه بها ، فمن وجدها لم يفقد من الخير شيئا ، ومن فقدها لم يجد منه شيئا . لا تجد لك عذرا عند اللّه أنفع لك منها ولا أجدى ، ولا تجد أدلّ على اللّه منها ولا أهدى ، تعلمك عن اللّه بما يريد أن يصنعه معك ، وتبشّرك ببشائر لا تقرأ سطورها العينان ، ولا يترجم عنها اللّسان ، وتجد ذلك في سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حاكيا عن اللّه : أنا عند ظنّ عبدي بي . وأمّا تجديد التّوبة إليه فهي عين كلّ رتبة ومقام أوّله وآخره ، باطنه وظاهره ، لا مزيّة لمن فقدها ، ولا فقد لمن وجدها ، مفتاح كلّ خير ظاهر وباطن ، روح المقامات وسبب الولايات ، ولو استوت توبة القطب والصّالح لاستواء مقامهما لم يرتفع عنه رفيع المقام لرفعة شأنه ، ولعظيم إيقانه ، لم يجعل الحقّ سبحانه وتعالى رتبة دونها إلّا الظّلم فقال سبحانه وتعالى : وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ الحجرات : 11 ] ، فهي مطلوبة من كلّ رسول ونبيّ ، وصدّيق ووليّ ، وبارّ تقيّ ، وفاجر غويّ ، وكافر شقيّ ، وتجد ذلك في كتاب اللّه تعالى ، قال اللّه سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [ النّساء : 1 ] فتقواه بالتّوبة إليه ، والنّدم بين يديه ، فأهل الشّرور توبتهم بالخروج من شرورهم ، وأهل الخيور توبتهم بعدم الوقوف مع خيورهم وردا كانت أو واردا ، كلاهما مع عدم الوقوف معهما واحد ، مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ [ الحج : 78 ] . وإنّ من ملّة إبراهيم عدم الوقوف مع الفانيات والانقطاع عن نظر الكائنات ، قال اللّه سبحانه وتعالى مخبرا عنه : لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [ الأنعام : 76 ] ، وبالجملة من لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير ومن لم تنفعه الإشارة ، لم تنفع فيه العبارة ، وإذا أفهمك اللّه لم ينقطع سماعك ، ولم يتحيّن انتفاعك ، فهمّنا اللّه وإيّاك عنه ، وأسمعنا وإيّاك منه ، وقطعنا عن كلّ شيء سواه ، وأدخلنا في كنفه وحماه ، وجعلنا ممّن بصّره وهداه ، وإلى كنفه آواه ، ولا شتّت قلوبنا ، وجمع عليه همومنا ، وأزال بالوصول كروبنا آمين . والسّلامة على الجماعة أجمعين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين . تمت بعونه تعالى مكاتباته لبعض إخوانه ويليها فهرس بشرح المصطلحات الصوفية عند الشيخ ابن عطاء اللّه السكندري