محمد بن أحمد الفرغاني

68

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

وإثنينية بين مطلق ومتعيّن ، وقديم وحادث ، وعال وسافل ، ولطيف وكثيف منه حتى ظهرت وتميّزت من حيث وجودي في عالم التفرقة منسوبا إلى المحدث المتعيّن ، ثم عاد وجودي الواحد من عالم التفرقة إلى عالم الوحدة والجمعية خالعا لبسة الحدوث والتعيّن ، ولابسا القدم والإطلاق حيث استهلك وصف تعيّنه وحدوثه في عين قدمه وإطلاقه في مرتبة جمع الجمع ، ثم رجع من مرتبة جمع الجمع التي تنزل إليها وجودي أولا إلى أصله الذي كان مبدأ تنزّله منه ، وهو مقام أحدية جمعي ورجوع وجودي إنما يتحقّق حال استهلاك وصف الإثنينية الطارئة عليه عند تنزّله إلى مرتبة جمع الجمع بحسبها وحكمها في عين بقاء أحدية جمعي الذي هو أصله ومحتده ، فصار وجودي في عوده حال استهلاك وصف إثنينيّته في أحدية جمعي شهودا ، كما كان أولا بلا ثنوية ولا غيرية باقية فيه أصلا ، وللّه المنّة . فما فوق طور العقل أوّل فيضة كما تحت طور النّقل آخر قبضة لذلك عن تفضيله ، وهو أهله ، نهانا ، على ذي النّون ، خير البريّة أراد بما فوق طور العقل : مراتب الحقّ ، وبما تحت طور النقل الأرض ، وبطور النقل : الصورة العنصرية الإنسانية التي هي مورد العلوم الشرعية الثابتة بالنقل عن الأنبياء والرسل ، وعن الكتب المنزلة عليهم كما كان الطور محل تنزل الشرائع أولا . المعنى : يقول : لمّا كان في أعلى مراتب الفوقية من تعيّن عين الذات الأقدس ووجودها الذي هو عين شهودها لم يكن إلّا فيضة واحدة من باطن هويّة الذات الأقدس ، وفي أنها مراتب التحتية إنما هو قبضة واحدة من ظاهر هذه الهوية ؛ كما قال عزّ من قائل : وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ [ الزّمر : الآية 67 ] ، يعني باطن الأرض وظاهرها وأقطارها ووسطها جميعا هي قبضة يد الوجود الظاهر كان الكل من حيث الإضافة إلى عين الهويّة الواحدة شيئا واحدا إلا فضيلة من جهة نفس الإضافة إلى ذلك العين للجهة الفوقية على الجهة التحتيّة ، ولمّا كان المعراج في الحقيقة هو منهج الوصول إلى عين هذه الهوية المحيطة بالأوّلية والآخرية والظاهرية والباطنية وجمعيّتها ، فمن أي جهة تمكن السيار من الوصول إليها فوقا أو تحتا حصل مقصوده من سيره ومعراجه ، فإذا لا فضيلة للمعراج من جهة السماوات إلى ما فوقها للتحقق بباطن هذه الهوية على المعراج من حضيض نفسه إلى أوج حضرة ربّه ، وظاهر هذه الهويّة من جهة الأرض إلى ما تحتها من قعر البحر وبطن