محمد بن أحمد الفرغاني

28

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

أراد بها ههنا الميل ، وعداها بحرف تعديته وهي إلى ، واللام في لرفقة وللمبادي بمعنى إلى لتعدية الاشتياق وترقّت . يقول : فواجد الكرب لأجل فرقة ، أي بين النفس المزاج وشدّة قطع الوصلة بينهما في سوق رسل المنايا خيل الموت إليه هو بعينه ، كمن وقع في كربة حال الوجد في حال ظهور الملأ الأعلى الذين هم الرفقة الحقيقية له واشتياقه إليهم ، وعدم تمكّنه من اللّحوق بهم بسبب قوة العلاقة التدبيرية بين الأثر الروحاني وبين الجسم أو المجاذبة بينهما ، فذاك الذي هو واجد الكرب في سياق الموت نفسه المدبّرة لمزاجه وصورته مالت إلى ما ظهرت النفس المدبّرة به ، إنما يعني بهذا النفس الهيئة الاجتماعية من البخار الضبابي والقوّة الحيوانية والأثر الروحاني ، وهذه الهيئة الاجتماعية لم تظهر إلّا بعد تعيّن هذا المزاج والصورة العنصرية بالتسوية الإلهيّة ، وإن كانت عين الروح الروحانية التي هذا الأثر الروحاني فيض وشعاع منها كانت ثابتة وظاهرة في اللّوح المحفوظ ، لكن هذا الأثر الفيضي المتعيّن للتدبير لم يبد إلّا بعد تعيّن هذا المزاج والصورة ؛ فلهذا قال : فذا نفسه رقّت ، أي مالت إلى ما بدت به ، وهو المزاج وقواه ، وإن قلت إلى ما بدت بوصف التدبير والاستكمال بأنواع ضروب الكمال المتعلّقة بعالم التركيب من الحسّ والمثال صدقت ، والفهم الصحيح : رزقت . وقوله : وروحي ترقّت للمبادي العليّة ، أراد بالمبادي حضرة الأسماء الذاتية ، وأشار بهذا إلى أن روحه انصبغت بصبغة سرّه وسرّ سرّه ، فإن الترقّي إلى الحضرة الأسمائيّة الأوّلية من حكم سرّ السرّ ، ويؤيّد ما ذكرت قوله في البيت الثاني : أن روحه ترقّت عن أعلى مراتب الوصل .