محمد بن أحمد الفرغاني
8
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
أمامه حتى دخلها ، وانقطع بواد بينه وبين مكة ، عشر ليال ، ففتح عليه ، فصار يذهب من ذلك الوادي وصحبته أسد عظيم إلى مكة ، فيصلّي بها الصلوات الخمس ، ويعود إلى محله من يومه ، وأنشأ غالب نظمه حالتئذ ، وكان الأسد يكلّمه ، ويسأله أن يركب عليه فيأبى . وأقام كذلك نحو خمسة عشر عاما ثم رجع إلى مصر فأقام بقاعة الخطابة بالجامع الأزهر ، وعكف عليه الأئمة ، وقصد بالزيارة من الخاصّ والعامّ ، حتى أن الملك الكامل كان ينزل لزيارته ، وسأله أن يعمل له ضريحا عند قبره بالقبّة التي بناها على ضريح الإمام الشافعي فأبى . وكان جميلا نبيلا ، حسن الهيئة والملبس ، حسن الصّحبة والعشرة ، رقيق الطّبع ، عذب المنهل والمنبع ، فصيح العبارة ، دقيق الإشارة ، سلس القياد ، بديع الإصدار والإيراد ، سخيّا جوادا . توجّه يوما إلى جامع عمرو ، فلقيه أحد المكارية ، فقال : اركب معي على الفتوح ، فركب ، فمرّ به أحد الأمراء ، فأعطاه مائة دينار ، فدفعها للمكاري . وكان أيام النّيل يتردّد إلى المسجد المعروف بالمشتهي في الروضة ، ويحبّ مشاهدة البحر مساء ، فتوجّه إليه يوما فسمع قصارا يقصر ، ويقول : قطع قلبي هذا المقطع * ما قال يصفو أو يتقطّع فصرخ وسقط فغمي عليه ، وصار يفيق ويردّد ذلك ويضطرب ، ثم يغمى عليه وهكذا . وكان يواصل أربعينيات ، فاشتهى هريسة فأحضرها ، ورفع لقمة إلى فيه فانشقّ الجدار ، وخرج شاب جميل فقال : أفّ عليك . فقال : من أكلها ؟ ثم طرحها ، وأدّب نفسه بزيادة عشر ليال . ورأى المصطفى في نومه ، فقال : إلى من تنسب ؟ فقال : يا رسول اللّه ، إلى بني سعد ، قبيلة حليمة . فقال : بل نسبك متصل بي - يعني نسبة محبة وتبعيّة - . وقعد يوما بباب قاعة خطابة الجامع الأزهر ، وحوله جمع من المجاورين ، فجعل أحد العجم كلما ذكروا حالا من أحوال الدنيا ، كالطشتخانة يقول : هذا من زخم العجم ويفخم ، فأذّن المؤذّنون ، ورفعوا أصواتهم بالأذان جملة ، فقال : هذا من زخم العرب . . . وصرخ ، وتواجد هو والحاضرون ، فصارت ضجة عظيمة .