محمد بن أحمد الفرغاني
61
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
( وأما الاسم الجواد ) الذي هو المتمكّن من الإيثار والمؤثر بكل ما فيه كمال لكل من يستحقه بالاستعداد والحال ، أو بالطلب والسؤال ، وذلك الإيثار يكون بالوجود أولا ، ثم بالبقاء ثانيا ، ثم بنفخ الروح والحياة ثالثا ، ثم بالرزق الروحاني كالهداية والإيمان ومراتبهما كالتوبة والزهد ومثل ذلك ، والعلم ومراتبه والمؤثر بالأخلاق السنيّة لعبده كالعفو والحلم والرحمة رابعا ، وبإظهار آثار هذه الأخلاق فيه والمعاملة معه بها خامسا ، ثم بالرزق النفساني كالجاه والسؤدد والحشمة في النشأتين وقبول القلوب ونحوها سادسا ، وبالرزق الجسماني من المطعم الشهي والملبس البهي والمنكح المرضي والأموال والخزائن والذخائر والعيش الهني سابعا ، فجميع هذه الأنواع من الإيثار مجموعة وداخلة في حقيقة الجود وظاهرة من اسم الجواد ، وهو المتمكن أيضا من إجادة التكوين في المكوّنات قولا وفعلا ، والمختصّ به منها إنما هو الإيثار بالوجود والإجادة في ابتداء الإيجاد لا غير ، ويشاركه فروعه فيما سوى ذلك وتنتشىء منه فروع مختصّ كل واحد بنوع أو أنواع مما ذكرنا . ( أما الاسم الكريم ) فهو من أشملها حكما وأثرا ؛ لأن معنى الكرم يجمع الشرف والسؤدد التابعين لبذل المعروف وإغاثة الملهوف ونيل كل ما هو بالمحمدة موصوف ، ومنه قوله : وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ [ الدّخان : الآية 17 ] ، ويجمع الخطر والنباهة كما قال : وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً [ الأحزاب : الآية 44 ] ، ويجمع السبق بالإحسان والعفو والصفح والحلم والغفران وجميع أنواع الخير والنفع والامتنان ، ومنه يقال : أرض كريمة ، أي كثيرة النبات ، طيبة المرعى ، عذبة المياه بلا سعي أحد ، ومنه يقال : فلان كرمت أفعاله ، ويجمع أيضا حسن التأتّي بجميع أصناف الخيرات وانتحال جميع الأوصاف فعالا ومقالا ، ومنه قوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : الآية 13 ] ، فكان اسمه الكريم تعالى كبرياءه شاملا بمعانيه كلّها جميع ما يدخل تحت معاني اسم الجواد ما عدا الإيثار بالوجود والبقاء الأصليين وإجادة الصنعة في المصنوعات ، فإن ذلك من خصائص اسم الجواد . ومن توابعه أيضا ( الاسم الحليم ) الذي يسامح عبده الجاني بترك المؤاخذة مع استحقاقه كرما منه وبناء على علمه بقيام عذره في جنايته جهلا منه وإمهاله للعبد الجاني مع إصراره رعاية لحكمة ومصلحة في ذلك خفية لا يطلع عليها سواه . ومن توابعه أيضا ( الاسم الغفور ) فمعنى الغفر : ستر الشيء ليصونه عمّا يشينه ، فالاسم الغفور مستمدّ دائما من أصله الذي هو الجواد ليمدّه بالرحمة