محمد بن أحمد الفرغاني

56

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

يؤمرون وكتبه بأنها نور وهدى ومصدق لرسله بأنهم أقروا بأخذ العهد عليهم ، ثم قال لهم : فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [ آل عمران : الآية 81 ] ، وللمؤمنين بأن مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ( 23 ) [ الأحزاب : الآية 23 ] ، فمنهم من قضى نحبه في هذه النشأة نقدا وخرج عن العهدة ونال المراد ، ومنهم من ينتظر تمام ذلك في النشأة الآخرة وكلّهم ما بدّلوا فيما عهدوا تبديلا ، فباعتبار هذه الشهادة والإخبار انتشأ من اسم القائل ( اسم الشهيد ) . ثم لما كان أصل التكوين مضافا إلى اسم القائل لقوله : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ النّحل : الآية 40 ] . لم تكن لاسم القادر فيه شيء إلا المدد بالتأثير ، فلا جرم كان إضافة فرعية ( اسم الخالق ) إذا اعتبر بمعنى الموجد إلى القائل أولى ، فإن الخلق في اللغة جاء على ثلاثة معان ، أحدها : التقدير ، يقال : خلقت النعل إذا قدرته . وثانيها : الجمع ، ومنه الخليقة لجماعة المخلوقات ، وثالثها : بمعنى القطع ، يقال : خلقت هذا على هذا ، أي قطعته على مقداره ، فباعتبار معنى التقدير فيه فهو ، أي الخالق ، من توابع المشيئة الداخلة في دائرة اسم الحيّ ، وإذا اعتبر معنى الجمع فيه معنى بين الوجود والماهيّة ، أو الروح والبدن بالإيجاد والتكوين ، فهو من فروع القائل ، فهو الجامع بقوله : كن ، وإن روعي معنى القطع فيه بأن يقطع من أشعة مطلق نور الوجود قدرا معيّنا ، وإضافة إلى الحقيقة الكونية بقطع نسبته من إطلاقه ، فهو من توابع اسم القادر والمريد والقائل والعالم والحيّ والجواد والمقسط على السواء ، فإنه لا يتمّ هذا الأمر الإيجادي أصلا إلا بتوجّه الجميع وأثرهم وحكمهم على الحقيقة . ثم إن ( اسم القادر ) الذي له القدرة ، أي التمكّن من التأثير والفعل حال الشروع فيه . وأمّا باعتبار ما قبل الشروع فهو قوّة باطنة مهما تصوّرت في المرتبة الثانية مقدّرة على قدر ما تختصّ به من الحكم والتعلق ، وعلى قدر ما خصّصته الإرادة سميت قدرة ، فالقدرة ظاهرة والقوة باطنها ، وحقيقة القدرة ما يتقدّر به ظهور المراد من العلم إلى العين بلا وسيلة ولا تسبّب ، والقوّة ما يجد به القادر نفسه مستطيعا على تقدير المراد ، وإن لم ينتهض إليه ( فاسم القوي ) من وجه من توابع الحيّ ، ومن وجه فوقه - كما ذكرناه في الفصل الثاني - ثم إنه قد تفرّع من اسم القادر فروع منها ( اسم المتين ) الذي له الاستقلال والتمكّن التامّ من حمل كل