محمد بن أحمد الفرغاني
51
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
الأصلية في التعيّن الثاني حقيقة المشيئة المعطية لجميع الحقائق اسم الشيء وحقيقة الشيئية ؛ كما إن التعين الثاني مظهر للتعين الأول والحياة مظهر للقابلية الأولى ، فكانت المشيئة من أخص لوازم الحياة التي هي قبول كل كمال ، وحيث كان اسم الحيّ مشتملا على جميع الأسماء اشتمالا كليّا جمليّا ، فالمشيئة مخصّصة كل واحد منها بحكم وكمال مخصوص مناسب له ومرتبة جميعها تقدّما وتأخّرا بالشرف والرتبة والكلّية والجزئية والأصلية والفرعية ، كما أن العلم يشتمل على المعلومات كلّها والإرادة ترتّبها وتقدّم بعضها رتبة ووجودا . ولمّا كانت المشيئة من أخصّ لوازم الحياة التي هي - كما قلنا - قبول كل كمال لائق به كان التجلّي الوجودي الظاهري الرحمني من حيث إنه منشأ الكمالات أجمعها ومظهرها في القوابل بحسبها لا يظهر إلا في المشيئة ، فكانت المشيئة عرشه ، وإن الشيخ أبا طالب لما شاهد عموم لزوم المشيئة لمظهرية التجلّي حيث يتجلّى لمن شاء حيث شاء ، وفي أي مظهر شاء ، ومجرّدا عنه إذا شاء ، فقال عرشه مشيئته ، وحيث كان قيام المشيئة بالعلم المقدّس المتعلّق بالذات الأقدس ، فإنها صورة من صور اعتبارات الواحدية التي هي عين العلم هنالك ، والعلم من جهة عموم نفعه وشمول سرايته يتمثّل غالبا في صورة الماء لشدّة المناسبة بينهما . ألا ترى أن ابن عباس رضي اللّه عنهما فسّر قوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [ الرّعد : الآية 17 ] ، فقال : الماء العلم والأودية القلوب ، فلا جرم لهذا المعنى قال تعالى : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ هود : الآية 7 ] فعرشه مشيئته التي قيامها وتحقّقها بالعلم الذاتي الذي هو عين الذات ، فإنها نسبة لا تحقّق ولا ثبوت لها إلّا به ومنه وفيه ، فاعلم واللّه المرشد . ثم إن الذي يلي اسم الحيّ من هذه الأصول السبعة ( اسم العليم ) الظاهر له مفصّلا متميّزا كل ما أحسّ بكليته وجملته اسم الحيّ ودبره اسم المدبر وشيأته المشيئة من نسب الواحدية المندرجة فيها وخصّصته بحكم ومعنى ، فإن كان ما يظهر للعلم ذاته بصور اعتبارات واحديته من غير اعتبار تسمية تلك الصور أغيارا يسمّى العليم حينئذ ( بالاسم الظاهر ) ، وإن لم يتقيّد الظاهر من تلك الصور بالعينية ولا بالغيرية ، وكان أمرا نسبته إلى البطون أقوى ، ويظهر بلا واسطة شيء ينتشىء من العليم حينئذ ( اسم الخبير ) ، وإن كان نسبة ما يظهر للعليم إلى الظهور أشد وله هيئة ما معنوية أو صورية تظهر للعليم بواسطة نور منه متّصل بها انتشاء منه ( اسم