محمد بن أحمد الفرغاني

48

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 11 ) [ المؤمنون : الآيتان 10 ، 11 ] » « 1 » الآية ، وانتشاء تلك المنازل في توجه الملكوت إلى التنزّل لإظهار عالم الطبيعة والحسّ . وأمّا إحصاؤها تحقّقا ، فإنما يكون بالتقوى والانخلاع عن كل ما قام به وظهر فيه من الصور والمعاني والآثار المتّسمة بسمة الحدوث ، وبالاستتار بسبحاب أعيانها وأسرارها وأنوارها ، فيدخل عند ذلك جنّة الامتنان التي هي مقام ستر غيب الغيب المشار إليها في قوله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ ( 51 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 52 ) [ الدّخان : الآيتان 51 ، 52 ] ، المعدّ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . ثم نرجع الآن إلى بيان ما نحن بصدده من تعيين انتساب كل طائفة من تمام هذه الفروع المتمّمة عدد التسعة والتسعين إلى أصولها المذكورة الداخلة في هذا العدد المذكور ، فنقول : إن اسم الحيّ الذي هو عين الكمال ومنبعه والمحس بكليّته وجملته يتضمن ويحتوي على كل ما يتعلق به كمال ما من الأسماء ، كما أشرنا إليه قبل هذا ، والكمال منه ما يتعلّق بالباطن ، ومنه ما يتعلق بالظاهر ، فالمتعلق بالباطن مثل اسم العظيم الذي ملأ أمره الكون ويخفى كنهه عن الخلق فستر عقولهم وأوهامهم وأفهامهم القاصرة الحقيرة عن منال كمال أمره وجلالة قدره ، واسم الكبير الذي لكمال بعد مناله يبدو للخلق صغرهم ، فيشهدون بفطرهم أنه أكبر من كل ما يتبدّى بالكبر . ( واسم العليّ ) الذي بكمال علوّه يفوت جميع المدارك . ( واسم الجليل ) الذي يجلّ بجلال أحديّته عن أن ينسب إليه شيء . ( واسم الغنيّ ) عن العالمين بكمال استقلاله في غيب غيبه بشهود جمال جلاله وملاحظة اعتباراته في أول تعيّن من ذاته تعالى وتقدّس . ( واسم القدّوس ) بكمال نزاهته عن مذامّ الصفات وإضافة نقائص الأفعال والآثار إليه ونحو ذلك .

--> ( 1 ) عزاه السيوطي في الدّرّ المنثور إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه ، سورة الزخرف ، الآيات 72 - 89 ، [ 7 / 394 ] ؛ وابن كثير في التفسير ، سورة الزخرف [ 4 / 135 ] .