محمد بن أحمد الفرغاني
32
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
وأمّا النوع الثاني من الوجود الظاهر من حيث ما هو منها مجلى الظهور للكون من المراتب الكونية التابعة للمرتبة الثانية والمنتشئة منها ؛ كمرتبة الأرواح والمثال والحسّ المسمّى كل ما يتعين فيها من الوجود خلقا وغيرا لا محالة ، فالوجود حينئذ معناه وحقيقته ما به وجدان صورة كل تعين منه نفسها ومثلها موجودا روحانيّا أو مثاليا أو جسمانيّا ظاهرا في كل مرتبة بحسبه وحكمه ، فإن الموجود في مرتبة الأرواح لا يجد نفسه ومثله إلّا روحانيّا ، وفي المثال مثل كذلك لا يجد نفسه إلا صورة مثالية ، وفي مرتبة الأجسام كذلك لا يجد نفسه ومثله إلّا جسمانيّا محسوسا ، فالإيجاد والخلق على هذا ما هو إلّا إعطاء الموجد الخالق تعالى وتقدّس للحقائق الكونيّة ما به وجدانها بإضافة تعيّن منه إليها وإظهار أحكامها بذلك القدر المضاف إليها منه في كل مرتبة بحسبها وحكمها ، فكان التأثير في تنوّعات صور التعيّنات الوجودية وكيفية إظهارها أحكام الحقائق ، وفي تسميتها عينا أو غيرا للمراتب التي هي المحال المعنوية كما قلنا ، وهي أمور ونسب عدمية لا وجود لها في الخارج ولا نفسها ، فانظر أثرا لمعدوم وإن كان عدميّته بنسبة ووجه ما في عين الوجود وفيما هو موجود من جميع الوجوه ترى العجب العجاب ، ومحالا للعقول السليمة والألباب . فصل ثم اعلم أنه لما كانت الوحدة التي انتشئت منها الأحدية والواحدية المذكورة أول تعيّن واعتبار من الذات الأقدس بلا شرط شيء وأول مرتبتها ، وهي كما علمت نفس القابلية التي نسبة الظهور والبطون إليها على السواء ظلّ حكم صرافة نسبة الأحدية مركوزا فيها ولازما ذاتيّا لها ولحكم قابليتها للظهور ولكونها مرتبة للذات ؛ فلا جرم لم تقبل إلا التجلّي الأول وإجمال الكمال الذاتي ووحدته ونفي الكثرة والتميّز والغيرية باندراج نسب الواحدية واعتباراتها فيه ، ولم تكن قابلة لتجلّي قابل للكثرة ، وإن كانت نسبية ولا لكمال أسمائي لازم لذلك التجلّي الذي هو نهاية المطلب فيه لما قلنا من لزوم حكم صرافة الأحدية لهذا التعيّن والقابل الأول ، ولتوقّف تحقّق الكمال الأسمائي على حكم التكثّر والتميّز وأثر المغايرة والغيرية . ولما كانت المحبة الأصلية المعبّر عنها « بأحببت » حاملة لهذا التجلّي الأول وباعثة له على التوجه لتحقيق هذا الكمال الأسمائي التفصيلي ، ولم يصادف توجّهه