محمد بن أحمد الفرغاني

23

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

الكون مثالا وحسّا ، وفي المواطن دنيا وبرزخا وآخرة ، وينتهي إلى ههنا جميع الشهودات والإدراكات والمكاشفات الحاصلة للكمّل والأولياء فالأدنى منهم وما فيهم أدنى ، والأعلى في حكم هذا الانتهاء سواء ، إلّا أنه ربما يكون في الحضرة الغيبية الأزليّة نحو هذه الكلّيات والجزئيّات أمور باطنة وأحوال مستورة لم تتعيّن بعد لا في الرتبة الثانية ولا في اللّوح المحفوظ ، فلم تعلم ولم يحكم بشيء منها إلّا بعد تعيّنها ووقوعها في المراتب الوجودية بالتدريج مع الآنات ، وهي أبطن بطون أحكام الغيب الذاتي المغلوب والمسبوق بالرحمة الذاتية ، فلهذا أوجبت الرهبة والخشية المشار إليها في قوله تعالى : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [ الأحقاف : الآية 9 ] ، ومن وجه أيضا يشير إليها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم شفقا منها : « ليت ربّ محمد لم يخلق محمدا » « 1 » ، مع أنه كان من حيث ما تعيّن من حاله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحضرة العلمية واللّوح المحفوظ على بصيرة من ربّه حتى أنه كان يقول اعتمادا عليها ونظرا إليها : « آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر » « 2 » ، « ولو كان موسى حيّا لما وسعه إلّا اتّباعي » « 3 » ، وقوله : « أنا أول من يقرع باب الجنّة وأول من يفتح باب الشفاعة » « 4 » ونحو ذلك من الإشارات في أحاديث صحاح ، وعلى الحقيقة كثيرا ما يجرّه الدعاء والسؤال من الأمور والأحكام الغيبية إنما يكون من تلك الأمور والأحوال ، فإن ما عداها لا يتحصّل إلّا المكتوب الثابت المقسوم في الحضرة العلمية لا يزيد ولا ينقص ، ثم إنه قد عبّر بعض العلماء باللّه الواقفين على حضراته الكلية عن بعض اعتبارات الواحدية المندرجة فيها في الرتبة الأولى بالشؤون الذاتية ، وهي التي تظهر في الرتبة الثانية وما تحتها من المراتب بصور الحقائق المتبوعة وبعض صفاتها التابعة التي لها الثبات ، نحو الحياة والعلم وبصور أمور كائنة ثابتة نحو الذوات والجواهر ، وصفة بقائها وثباتها اعتبارا لبعض

--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لديّ من مصادر ومراجع . ( 2 ) روى نحوه الترمذي في سننه ، باب في فضل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، حديث رقم ( 3615 ) [ 5 / 587 ] ؛ وأحمد في المسند عن عبد اللّه بن مسعود ، حديث رقم ( 2546 ) [ 1 / 281 ] وروى نحوه غيرهما . ( 3 ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ، حديث رقم ( 176 ) [ 1 / 199 ] وأورده ابن حجر العسقلاني في الزهر النضر في أخبار الخضر ، حديث رقم ( 52 ) [ 1 / 87 ] وأورده غيرهما . ( 4 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا أول الناس يشفع » حديث رقم ( 196 ) [ 1 / 188 ] .