محمد بن أحمد الفرغاني
14
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله المرتدي رداء فخار : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطّين » « 1 » ، المهتدي إلى فضاء أسرار ، « فعلمت علم الأولين والآخرين » « 2 » ، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) [ النّجم : الآية 9 ] ، سائح فجّ إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ( 8 ) [ العلق : الآية 8 ] وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 ) [ النّجم : الآية 42 ] صلّى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه . نقلة الأصل والفرع وحملة عرش الشرع ونهلة مورد العلم والعمل للاستقاء والكرع وعلى من حاز مرتبة مشوقيّته وفاز لمنقبة معشوقيّته بتصحيح النسب الإخواني وتنقيح السبب الإحساني ، وعلى من انتهج طريقهم وأحب أن يكون جليسهم ورفيقهم وسلّم تسليما كثيرا . أمّا بعد ، فإنه لما كانت الأحكام السابقة تبتني عليها الأقسام اللاحقة ، والأقدام الصادقة تنثني إليها الأقوام اللائقة ، كان كل من غدا منتهجا في بدو فطرة وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) [ الصّافات : الآية 96 ] في طرائق الحبّ والكمال عدا مبتهجا في عود نشأة كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [ الأعراف : الآية 29 ] إلى حدائق القرب والوصال ، ولاتّساع سماء الحضرة العندية العليا وارتفاع أسمائها عن إمكان تطرّق التناهي إليها والإحصاء كان أهل السير والارتقاء إلى حضرة الحقائق والأسماء عند نزولهم من أوج الحضرة العندية للاستكمال والتكميل إلى حضيض حضرة العبدية التي هي أعلى مراتب النزول قد تنوّعت إخباراتهم عن مواجيدهم فيها ، وتفنّنت إشاراتهم إلى ما تحقّقوا به حال كشفهم وشهودهم منها ، ومما يدانيها ، على أن لسان حال جملتهم المنبىء عن توحد مآل كلمتهم هذه الكلمة الكاملة : ( عباراتنا شتّى وحسنك واحد ، وكل إلى ذاك الجمال يشير ) ، بيد أنه ربما يكون إخبار كل واحد منهم مقصورا على شربه وذوقه الناتج عن حبّه وشوقه ، وقد يكون إشارة واحد منهم متجاوزا إلى ذوق من هو أجلّ منه ذوقا وشهودا وأكمل علما ووجودا قد أوقف عليه من خلف أستار كثيرة رقيقة ، وهدى إليه من وراء سجف أسرار كبيرة دقيقة ، وذلك لشدّة انتساب الشاهد إلى صاحب المقام المشهود وقوّة اعتصامه بكمال المتابعة به وبحبله الشديد ، وأحيانا يعزو ذوق متبوعه إلى نفسه بحكم غلبة
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2017 ) [ 2 / 173 ] . ( 2 ) روى نحوه الترمذي في حديث طويل وفيه : « قال فرأيته وضع كفّه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلّى لي كل شيء وعرفت » . ( باب ومن سورة ص ، حديث رقم ( 3235 ) [ 5 / 368 ] ورواه غيره .