محمد بن أحمد الفرغاني
11
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
فسمعت قائلا يقول له : ما تروم ؟ قال : أروم وقد طال المدى منك نظرة ، فتهلّل وجهه ، وقضى نحبه . فقلت : إنه أعطي مرامه ، انتهى . وقد شنع عليه بذلك المنكرون ، فقال أحدهم : لمّا كشف له الغطاء ، وتحقّق أنه هو غير اللّه ، وأنه لا حلول ولا اتحاد ، قال ذلك . وقال أحدهم : قال لمّا حضره ملائكة العذاب الأليم : أستغفر اللّه سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [ النّور : الآية 16 ] ، أما سمع هذا المخذول القائل قول المصطفى : « إن اللّه عند كل لسان قائل كيف » والمنكر مقر بأن سبب قوله ذلك إنما وقف عليه بالعيان لا بالبرهان ، وأهل الظاهر لا منهاج لهم في مشاهدة هاتيك السرائر ، فمن أين لهم أنه شاهد ملائكة العذاب ؟ ! وأما البرهان بأنه من أعيان أهل الكشف والعيان ، وقد أبرّ عن معاينته ذلك ، فما هذا التعصب الموقع في خيال الخبال ، والجارّ إلى بلاء الوبال ؟ والحاصل أنه اختلف في شأن صاحب الترجمة ، وابن عربي ، والعفيف التلمساني ، والقونوي ، وابن هود ، وابن سبعين ، وتلميذه الششتري ، والصفار ، وابن مظفر . ومن الكفر إلى القطبانية كثرت التصانيف من الفريقين في هذه القضية . ولا أقول كما قال أحد الأعلام : سلّم تسلم والسلام ، بل أذهب إلى ما ذهب إليه أحدهم أنه يجب اعتقادهم وتعظيمهم ، ويحرم النظر في كتبهم على من لم يتأهّل لتنزيل ما فيها من الشطحات على قوانين الشريعة المطهّرة ، وقول أحد جهابذة الفقه والأثر : ( ولا يؤوّل إلا كلام المعصوم ) غير معتبر ، وإن جلّ قائله ، كيف وهو رضي اللّه عنه ، قد ملأ كغيره كتبه الفقهية والحديثية بتأويل النصوص والوجوه ، واعتنى عليه بالجمع بين الكلامين المتناقضين ، وتنزيل الخلاف على حالين ، وقد وقع لجماعة من الكبار الرجوع عن الإنكار . حكي أن الشمس بن عمارة المالكي كان ينكر ، فتوجّه لزيارة إخوة يوسف ، فأجهده العطش ، ولم يجد ماء إلا في قلّة على قبر الشيخ ، فرجع . وكان العزّ بن جماعة ينكر ، فرأى في نومه جماعة قد أوقفوا بين يدي الشيخ ، وقيل له : هؤلاء المنكرون فاقطع ألسنتهم ، فانتبه مذعورا ، ورجع .