حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
97
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
إلّا أهل شهود الوجود . لكنّ الغريق في هذا البحر ناج سعيد ، وأمّا الناظر 128 إلى هذا البحر من سيفه وساحله ، المشفق على نفسه من طوله فهو ناج محروم ، ولقد غرق في غمرات الجهل من ليس له دليل مرشد ، كما يغرق في بحر الدنيا من ليس له سفينة ولا دليل وهم الأكثرون . إذ الناس كثيرون والعلماء منهم قليلون ، والعلماء كثيرون والعارفون منهم قليلون ، والعارفون كثيرون والواقفون منهم قليلون ، والواقفون كثيرون والراؤون منهم قليلون ، والراؤون كثيرون والجلساء منهم قليلون ، والجلساء كثيرون وجليس العزيز منهم واحد فرد لانفراده بالوجود عن العدم وبالذات عن الأسماء حتّى عن الاسم العلم . ولي في هذا المعنى نظم ، وهو جواب سائل سألني في مدينة الموصل عن مذهبي بطريق الاستهزاء ، فقلت له : يا سائلا عنّي ليعرف مذهبي * هيهات ! دونك مانع ومنيع إن كنت تنكرني ، أنا الفرد الذي * لا تابع أبدا ولا متبوع فلّما سمع هذين البيتين أنكر عليّ وكفّرني ، وجرت لي وقائع ليس هنا موضع ذكرها . وبالجملة قلت لهم : اسمعوا معناهما ليزول عن نفوسكم الانكار ، قالوا : قل ، فقلت لهم : إعلموا فتح اللّه أعين بصائركم ، إنّه كما أنّ الحقّ سبحانه وتعالى انفرد بالوجود وليس معه سواه حتى نطلق عليه ( أنّه تابع ) أو ( متبوع ) ، لأنّه فردّ في الوجود بل هو عين الوجود . وما ليس بوجود فهو عدم محض فلا يتبع ولا يتّبع ، فكذلك الإنسان انفرد بالعدم لرجوعه إلى أصله فإنّ العدم وصفه المحقّق في القدم ، كما قال تعالى : « هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً » 129 . وقال عزّ من قائل لزكريّا عليه السلام : « وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً » 130 ، أي ولم تكن موجودا ، إذ الشيء اسم للموجود ، وما ليس بموجود أصلا فهو معدوم حقيقة والمعدوم لا يتبع الموجود ولا يتبعه الموجود . فسلّموا واستغفروا وشكروا بشيء من الدنيا 131 .