حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
81
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
وصيّة وأمّا الوصيّة الموعود بها ، فاعلموا رفاقي سلك اللّه بكم طريق المروءة وأشهدكم حقيقة الحضرة ، لمّا ساق بي التقدير الآلهي إلى بلاد آذربيجان ، فصادفت في قرية من قراها تعرف بكنججان أي راوية الروح شيخا يقال له محمد بن الصدّيق بن محمّد قدّس اللّه سرّه ، وكان رجلا موفّقا للتصريف في أبناء النوع ، ملوكهم ورعيّتهم مؤمنهم وكافرهم ، لا يخالفه أحد فيما يأمرهم به وينهاهم عنه ، وكان يتصرّف في باطنهم أحوالا وأبدانا ، أحكاما وآراء بقانون شرعي حكمي وتفهيم لدنيّ إلهي ، كان يعبّر بلسان أبناء السبيل عمّا أودع في سورة من التنزيل ، وينطق بلسان أبناء الطريق عمّا أودع في سرّه من التحقيق ، وكان يعطي كلّ ذي حقّ حقّه على بصيرة غير هائب لاعتراض منتقد . فأخذني بكلتا يديه وأقامني تحت تصريفه بين يديه منذ تسع سنين ، فلمّا أذن لي في السفر إلى بلاد الشام ودار الإسلام وصّاني بهذه الوصيّة بلغته فغيّرتها أنا بالعربية . قال قدّس اللّه سرّه : « يا حبيبي عليك بالتمسّك بعروة المروءة في جميع حركاتك وسكناتك عادة وعبادة فإنّها صفة جامعة لكمال الإنسانية وهي نعت أبيك آدم في ذلك ، لأنّها اسم اشتقّت من المرء ، وهي لفظة وضعت لمعان كثيرة واقعة على محاسن جمّة من مكارم الأخلاق وممادح الأوصاف ، قد جمعت مناقب الأنبياء والأولياء وخصائص السادات والكبراء وخصال الملوك والوزراء ، وهي همّة من قلوب الأشراف من بني آدم . وليس بعد مقام المعرفة التامّة مقام أعلى من مقام المروءة ، وهو المقام المسمّى بالتصوّف الذي هو حسن الخلق ، وأدنى مرتبة المروءة الاشتغال باللّه عن كلّ ما سواه عبودة 95 ، وأعلاه الفناء في الفردانية وهي حضرة الجمع ، أعني حضرة الذات المقدسة التي تستغرق الأسماء والصفات . وبالمروءة فضل الإنسان على سائر المخلوقات ملكا وفلكا ، وجميع العبادات الدينيّة والأخلاق الرضيّة المرضيّة نتيجة المروءة ، ولولاها لم يحفظ أحد جوارحه عن الرذائل » 96 . اللهمّ احفظنا بحفظك الذي لا يرام واكنفنا بكنفك الذي لا يضام ، وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وآله وسلّم .