حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
62
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
التنيه الثاني في بيان ظهور نور الحق بالعالم الأكبر والأصغر وترتيبهما ومراتبهما إعلموا رفاقي أطلعكم اللّه على أنوار وجوده وأوقفكم على أسرار جوده ، أنّ الحقّ تعالى لمّا قال من الحضرة الذاتية بلسان حال ذاتّي لنور من أنوار قدسه ، نور واحد بسيط لا يوصف بالنهاية : ( كن ) أوّلا لآخر ، حصل له من قوله ( كن ) تعيّن فقط لا أكثر من ذلك لتحقّق فيه الأوّليّة ، ولو كان فيه أكثر من حقيقة ذلك التعيّن لكانت الأوّلية لأحدهما دون الآخر . أو يكون كل واحد منهما أوّلا ، فيكون القول منه تعالى لاثنين لا لواحد ، فإذن ما حصل لذلك النور إلّا تعيّنه فقط ، لكن حقيقته الأولية تستدعي آخر وإلّا لم تحقّق الأولية ولا بدّ منها ليظهر حكم ( كن ) ، فحصل لذلك النور بالتعيّن المذكور أن يتميّز عن بقيّة الأنوار وأنّ فيه قابلّية للظهور بصورة ثان يكون لأوليّة ذلك آخرا كما قلنا ، فتعيّن ذلك النور تعينّا آخر ، فكان كون آخر غيره فسمّي النور في مرتبة التعيّن الأول قلما أعلى ، وسمّي هو بعينه في مرتبة التعيّن الثاني لوحا محفوظا ، لكنّ التعين الأول الذي هو القلم الأعلى شهد في قول الحقّ تعالى له ( كن ) أولا لآخر ، بمعنى تهيّء لظهور اللوح منك . فقالت ذاته بلسان الحال : سمعا وطاعة . فإن القول في تلك المراتب ليس إلّا بلسان الأحوال ، فقول الحق له تهيء ، هو المعنى الذي عبّر عنه بأنّه قال له اكتب فكتب ، أو قال أقبل فأقبل وأدبر فأدبر ، فقال تعالى : وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أكرم عليّ منك فبك آخذ وبك أعطي » 53 . فذلك التعبير منه هو قبول صور العالم ، ويرى معنى ذلك التهيّؤ المذكور في اللوح المحفوظ ، فكانت تهيئته تسوية أخرى ، فقبل اللوح بهذه التسوية المختصّة به روحا هي مادّة الجسم قبل صورته ، فسميّت كتابة معنوية من ذلك القلم الأعلى في اللوح المحفوظ . ثم ظهرت حروف تلك الكتابة جسما فكانت هذه الكرات ، وهي أكوان ، حصلت كلّها من معنويّة قوله تعالى « كُنْ » ، وبمعنوية « كن » حصل المدد من القلم الأعلى فيضا