حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

55

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

مختلفين قط 32 . وأيضا لو اختلفت النفوس بالذات حتى كانت كالجنس وامتازت الأنواع بالفصول كان كلّ نوع منها مركّبا من جنس وفصل ، وقد برهنّا على امتناع التركيب والانقسام فيها ، ولو كانت أيضا كلّها من نوع واحد لامتازت الأشخاص بالخواصّ والصفات ، فيلزم ما ذكر من استحالة التركيب باعتبار النوع لا باعتبار الصفات ، لأنّا نقول : عروض الصفات الخارجية لا تركّب الذات ، إذ الصفة لا تدخل في حقيقة الذات ، أمّا الفصول الذاتيّة المميّزة بين الأنواع فهي داخلة في الذات مركّبة لها ، فالفصل هو الفصل في هذا الفصل . وأمّا الدليل النقلي فكثير ، منه قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ » 33 . فهذه الآية دلّت على أنّ مبدأ كلّ النفوس واحد ، وقد عرفتم أنّ اتّحاد المصدر دليل اتّحاد المصادر . ومنه قوله تعالى : « ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ » 34 . فهذه الآية دلّت على اتّحاد المبدأ والمعاد للنفوس الانسانية . ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرّانه ويمجّسانه » 35 . فهذا الحديث دلّ على أنّ النفوس الانسانية كلّها مفطورة فطرة واحدة ، إلّا أنّ رذائل الأخلاق والعادات ومساويء الأفعال والاعتقادات ممّا ينجّسها ويرجّسها ويخرجها عن طهارتها ونضارتها كتهوّد أبويه وتنصرّهما وتمجّسهما . فثبت بهذه البراهين العقلية والأدلّة النقلية أنّ حقيقة الانسان هي حقيقة واحدة مقدّسة عن الاختلاف في ذاتها ، وأنّ جميع ما يطرأ عليها ليس إلّا من المزاج المعبّر عنه بالاستعداد ، وهو باب رحمة الملك الجواد . والقبول إنّما هو بحسب الاستعداد ، فإنّ النفس منفوخة ، فهي نفس من روح طاهر مضاف إلى الحضرة المقدّسة الآلهية المشار إليه بقوله تعالى : « فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي » 36 . فليس ما يطرأ عليها إلّا من المزاج . وللشيخ الأكمل الأكبر محي الدين محمد بن العربي قدّس الله سرّه في هذا المعنى نظم وهو هذا :