حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
50
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
والشهوة كالخادم الموكّل بما يحتاج إليه منزله من المأكول والمشروب ومرّمة ما تشعّث وإصلاح ما انهدم ، والغضب كالحاجب الذي إليه السياسة وإصلاح دار مملكته ليذلّ أعداءه ويعزّ أولياءه . سئل شيخنا شيخ الطريقة وإمام الحقيقة جنيد 13 البغدادي قدّسه اللّه عن حقيقة الروح ، فقال : « إنّه موجود استأثر اللّه بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه » . فلا يجوز العبارة عنه بأكثر من أنّه موجود أمريّ ، لأنه لم يرد الشرع بالأذن في ذلك إلّا أنّه « من أمر ربّي » . وسئل الشيخ الكامل صدر الدين محمد بن إسحاق الملطي 14 قدّسه اللّه عن الروح ، فقال : « الروح عبارة عن حصّة من مطلق الوجود منصبغة بأحكام الحياة والعلم والإرادة والقدرة على وجه السلطنة فيها للحياة » . وبالجملة فلا يمكن لأحد أن يعرف الروح بأكثر ممّا عرّفنا به اللّه تعالى في كتابه العزيز وهي كافية لمن له فطنة وآفية . ويطلق ويراد به النور الذي يجده 15 أهل اللّه عزّ وجلّ عند الأنقطاع إليه بالهمم والعبادة ، وهو نور موهب من حضرة الربوبيّة لا من غيرها من الحضرات . وأصله من الروح الأمري الذي لم يوجد عن خلق ، وهو النفس الرحماني المشار إليه بقوله عليه السلام : « إنّي لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن » 16 . اليمن في العالم الكبير هو عبارة عن العرش المستوي عليه الرحمن ، وفي العالم الصغير هو عبارة عن العرش الذي عليه اللّه وهو قلب العبد المؤمن المستغرق في الشهود الذي لا يلوي إلى شيء ، وذلك لأنّه محو في وجوده تعالى لا يشهد غيره ولا يرى سواه . وههنا نكتة وجدانية وهي ، أنّ أويسا 17 قدّس اللّه سرّه كان في ناحية اليمن من قبيلة يقال لها القرن ، ولم يكن له اجتماع حسن مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ، وكانت أمّه تكره مفارقته إيّاها ، ولم تأذن له بالهجرة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فكان لأجل ذلك دائم التلهّف والتحسّر والتألّه 18 والتحيّر فيظنّ به جنون . وكان كلّما حنّت طبيعته الثائرة إلى مشاهدة الحضرة النبوية وتنوير مشكاته بأنوار الطلعة المحمديّة ، وهمّت نفسه