حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

27

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

المتصوّفة ، ولا سبيل إلى بلوغ هذه الدقة وتجاوزها بالادراك أو بالفهم ، وإنّما بالاحساس الذي لا يخفى عليه شيء ، ولا ينأى عنه شيء ، فالاحساس وحده هو الذي يلج المناطق المحرّمة على الكلمة والإشارة . والذين خبروا طبيعة البحث وعاشوا تجاربه أدركوا ، أن الأفكار تتأبّى على سلطان الكلمات مهما كان قويّا ، وتقاوم إغراء الألفاظ كيفما كانت حلاوته وفتنته ، ولا تنقاد بسهولة لحيل العبارات مهما تعددّت وتشابكت . ولا نريد أن نختلف كثيرا في هذه المسألة ، فقد تقوى الكلمات على استحضار المعاني ، وقد تفلح العبارات في اصطياد الأفكار ، لكنهما لن تستطيعا على إظهار الأحاسيس وإبراز المشاعر والعواطف ، مهما بلغت عندهما الطاقة والمقدرة . فالاحساس يحتاج إلى إحساس آخر مثله لكي يفهمه ، والمشاعر لا يصل إليها إلّا مشاعر أخرى من جنسها وطبيعتها ، وكلّ ما تقدر الكلمة أو العبارة أن تفعله هو أن تضاعف قوّة الايحاء ، وأن تؤرّث حرارته ، فكلّما كان الايحاء قويّا حاميا ، كان ذلك أدعى إلى توتّر الاحساس وتوسيع دائرة نفوذه وسلطانه . حتى إذا وقع في بعض الأحيان لواحد من الناس أن يتطور ويصبح كلّه إحساسا ، فذلك يعني أنّه دخل في مرحلة الكشف الصوفي ، وصار محظورا عليه أن يتكلّم ، ولا يسمح له أن يعبّر إلّا بالرمز البعيد والإشارة الخاطفة ، وذلك خوفا على إحساسه من أن يأسره الغموض في الكلام والعبارة