عبد العزيز الدريني

9

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب

الفصل الأول في الإيمان الحمد للّه الذي رسم في صفحات المصنوعات قواطع الدلائل ، وفرّق بمحكم الآيات . البيّنات بين الحق والباطل . الموجود بلا بداية فلم يزل أزليّا أوّليّا وهو الأول ، قبل الأوائل الباقي بلا نهاية فلا يزال أبديّا وهو الآخر بعد كل زائل ، الواحد القدّوس فلا شريك له ولا مماثل ، الحىّ العليم القدير المدبر الخبير السميع البصير المتكلم وهو أصدق قائل . صفاته قديمة ثابتة بالنقل والعقل فمن عطل « 1 » فهو بتخيلاته يجادل ، وتنزيهه عن أوصاف الحدوث معلوم بالدليل فمن شبه فهو من أهل الباطل . كيف يشبّه القديم الأزلىّ بالحادث الزائل ؟ أم كيف تماثل الصنعة الصانع ؟ أو تضارع الأفعال الفاعل ؟ لا تدركه الأبصار ، ولا تمثّله الأفكار ، ولا يحيط به عقل عاقل . انقطعت الأوهام ، وحارت الأفهام ، وبحر المعرفة ليس له ساحل . فالتسليم أسلم ، والتعظيم رد الأمر إلى من هو أعلم . فالعجز واقع ، والحصر حاصل . فسبحان من نوّر أسرار أوليائه بذكره . وعاملهم بالفضل التّام ، والإحسان الشامل . فهم عن بابه لا يبرحون ، وعلى بساط قربه ينعمون وينشرحون ، وأنفاسهم إليه رسائل . لهم في الدّجى أنس بذكره وخدمته ، فهم أيقاظ والناس ما بين نائم وغافل . فتبارك من قسم عطاءه بين خلقه وهو في أحكامه عادل ، يدعو الفقراء إلى نواله . ويقول في كل ليلة « هل من مستغفر ، هل من سائل ؟ » .

--> ( 1 ) المعطلة : هم الجهمية وهم أتباع جهم بن صفوان . وهو الذي عطل صفات اللّه فكان يقول : إن اللّه لم يتخذ إبراهيم خليلا ، ولا كلم اللّه موسى تكليما .