عبد العزيز الدريني
86
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
الوحوش من البراري والآكام ، وتأتى الهوامّ من الجبال والطيور من الأوكار ، وتخرج العذارى من خدورهن وتجتمع الخلائق لذلك اليوم ؛ فيأتي داود فيرقى المنبر فيحيط به بنو إسرائيل على طبقاتهم وكل صنف من الخلائق على حدته وسليمان عليه الصلاة والسلام واقف على قدميه عنده ، فيأخذ داود في الثناء على اللّه تعالى فيضجون بالبكاء والصراخ ، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار فيموت خلق كثير من الناس والوحوش والهوامّ والطيور ، ثم يأخذ في أهوال القيامة وينوح على نفسه فيموت من كل صنف طائفة عظيمة ، فإذا رأى سليمان كثرة الموتى قال : يا أباه مزقت المستمعين كل ممزق وماتت طائفة من بني إسرائيل ومن الوحوش والطير ، فيأخذ في الدعاء حتى يقع مغشيا عليه فيحمل إلى منزله وتكثر الجنائز في الناس ، فيقال هذا قتيل ذكر اللّه ، وهذا قتيل خوف اللّه ، وهذا قتيل ذكر الجنة ، وهذا قتيل ذكر النار ، ثم يدخل داود بيت عبادته ويغلق بابه ويقول : يا إله داود أغضبان أنت على داود ؟ ولا يزال يناجى حتى يأتي سليمان فيستأذن ويدخل ويقدم إليه قرصا من شعير ، فيقول : يا أبت تقوّت بهذا على ما تريد ، فيأكل ما شاء اللّه تعالى ثم يخرج إلى بني إسرائيل . وقال يزيد الرقاشي : خرج داود عليه الصلاة والسلام مرة ينوح على نفسه ومعه أربعون ألفا فمات منهم ثلاثون ألفا فما رجع إلا في عشرة آلاف . وكان إذا جاءه الخوف سقط واضطرب حتى يقعد إنسان على رجليه وآخر على صدره لئلا تتفرق أعضاؤه ومفاصله . وقال عمر بن عبد العزيز : دخل يحيى بن زكريا عليه الصلاة والسلام بيت المقدس وهو ابن ثمان سنين ، فرأى عباد بني إسرائيل وقد لبسوا مدارع الصوف والشعر ، ونظر إلى اجتهادهم وما يصنعون بأنفسهم فهاله ذلك ، فرجع إلى أبويه فسألهما فألبساه مدرعة من شعر ولزم بيت المقدس فكان يخدمه نهارا وينقطع فيه ليلا حتى أتت عليه خمس عشرة سنة ، فخرج إلى البراري والجبال والغدران والشعاب ، فخرج أبواه في طلبه فوجداه على بحيرة الأردن ورجلاه في الماء وقد كاد العطش أن يهلكه وهو يقول : وعزتك وجلالك