عبد العزيز الدريني

16

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب

ومن صنع معروفا أبقاه . ومن زين موضعا وقاه . الإيمان من أفضاله فهو أولى بحفظه وإكماله كما قيل : عندي حدائق ودّ غرس نعمتكم * قد مسّها عطش فليسق من غرسا فداركوها وفي أغصانها رمق * فلن يعود اخضرار العود إن يبسا إنّى صنيعة أيديكم وأنعمكم * فلا تتركوني فإنّ القلب قد درسا إنّ الكريم إذا أنشا حدائقه * من المروءة أن تسقى وتنحرسا ما أعلمك به فهو به أعلم ، وما قوّاك عليه أقوى ، وما حببه إليك فهو له أحب ، وقد حبب إليكم الإيمان . فإذا كان يحب إيمانكم فهو أولى بحفظ محبوبه ، فلذلك لا يسهو عنك بسهوك ، ولا يغفل عنك بلهوك ( وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ ) المؤمن يكره فعل المعصية وإن وقع فيها ، وإنما يغطّى على عقله وقت فعلها فلذلك إذا وقع فيها عاوده الندم والأسف . قال تعالى : ( أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ . فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ) مدحهم على ما منحهم وأثنى عليهم بما أودع لديهم ، ثم عرفهم أن ذلك من فضله ليشغلهم الشكر عن الإعجاب فإن الإعجاب حجاب . خرج أبو حفص النيسابوري فرأى يهوديا فوقع مغشيا عليه فلما أفاق سئل عن ذلك ، فقال : رأيت رجلا عليه لباس العدل وعلىّ لباس الفضل فخشيت أن يبدل اللّه لباسى بلباسه ؛ فسبحان من حبّب إلينا الإيمان وسبّب وزيّن وبيّن ، وأيّد وسدّد وعصم وأنعم وأكمل وأجمل وعرّف وألف ، وأسمع وأطمع وقرب وأدنى وطيّب وأغنى وأقنى ، ثم مدحنا على فضله وتفضل بالجزاء ، وطاعتنا من فعله ليكون الثواب أهنى والفضل أتم وأسنى فله الحمد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم .