عبد العزيز الدريني
14
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
وكما أن الجمل الأنوف إذا أنيخ على جمر استناخ . كذلك المؤمن مقيم على باب مولاه صابر معه على بلواه كما قيل فيه : وما زال بي شوقى إليك يقودني * يذلّل منّى كلّ ممتنع صعب إذا كان قلبي سائرا بذمامه * فكيف لجسمى بالمقام بلا قلب قال عبد الواحد بن زيد : مررت في بعض الجبال بشيخ أعمى أصم مقطوع اليدين والرجلين وهو يقول : إلهي وسيدي : متّعتنى بجوارحى حيث شئت ، وأخذتها حيث شئت ، وتركت لي حسن الظن فيك ، يا برّ يا وصول . قال : فقلت في نفسي : أىّ برّ من اللّه على هذا ؟ وأي وصل ؟ فقال : إليك عنى يا بطّال ، أليس ترك لي قلبا يعرفه ، ولسانا يذكره ، فهو نعيم الدارين جميعا . ويقال في قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ) الآية . قالوا بألسنتهم ثم استقاموا فصدّقوا بقلوبهم . ويقال قالوها مصدّقين ، ثم استقاموا بالطاعة على التصديق حتى ماتوا مؤمنين . ويقال قالوها بالإيمان ، ثم استقاموا بالطاعة والإحسان . ويقال لا إله إلا اللّه مفتاح الجنة ، ولكن أسنانه الأعمال الصالحة ، فمن جاء بالمفتاح وله أسنان فتح له . وأما قوله : ( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ) فهؤلاء قوم منافقون أسلموا بظواهرهم ، ولم يصدّقوا بسرائرهم . فلما ادّعوا الإيمان أكذبهم الرحمن وقال : ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) ثم بين وصف المؤمن فقال ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) . ويقال الإيمان كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها هلك . الإيمان كسكينة موسى من ركبها كان الظفر له ، الإيمان كخاتم سليمان ، العز مع وجوده ، والذل مع فقده ، الإيمان كعصى موسى تلقف عصى السحرة . وكذلك الإيمان تمحق عنده الشبهات والتخيلات