عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

94

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

يشعر بذهابه في اللّه وغيبته عن نفسه ، إذ المحبة خمر العقول ، فما ذاقها أحد إلا سكر . فمنهم من كان حظّه منها النشوة وهم أرباب المحبة ، ومنهم من بلغ به السكر إلى الخروج عن أطوار البشرية وهو الطافح سكرا ، وهذه صفة العشّاق ، فإن الطافح لا يميّز من مصالح بدنه شيئا ، بل عشقه قد استولى على عقله البشري ، فهو يترجم عنه ويظهر له ما فيه مما كان غائبا عنه ومحجوبا بذاته دونه ، وكما أن الخمر تنطق على لسان شاربها بما تتضمّنه ذاته من غير اختيار ولا قصد ، فكذلك الطافح عشقا تظهر له خمر عشقه سرّ معانيه الربانية ، وبديع شمائله الروحانية ، وتفني وجه عقله المقبل على عالمه الأسفل ، وتظهر وجهه المقبل على الملإ الأعلى الذي يتلقّى منه الأنوار الجمالية ، فيقال له : [ من الرمل ] أظهرت سرّ معانيك الشمول * فبدا الغائب واستحيا العذول وأعارتك الحميّا نشوة * علّمت بأن الحمى كيف يميل إلا أن العاشق إذا لم يكن له اختيار ، وتوالى عليه هذا السكر بتوالي الشرب ، فكلما شرب شيئا زاده ظمأ ، وكلما ظمىء شرب ، إلى أن تمازجه أنوار المحبة فيصير حينئذ سكره من ذاته لا من غيره فيستحيل عليه الصحو : [ من الوافر ] أيا نشوان من خمر بفيه * متى تصحو وريقك خندريس أرى بك ما أراه بذي انتشاء * ألحّ عليه بالكأس الجليس « 1 » فالمحبة هي الشرب بكأس الغرام ، والانتشاء من صفو ذلك المدام ، ويلزم عنهما حفظ الأسرار الإلهية ، وصيانتها عن سائر البرية ، لغيرة الحق على سرّه المكنون ، أن يتحلّى به من لا يجهد في إخفائه ويصون ، وأما العاشق فمعذور ، لأنّه مأخوذ عن نفسه مجرّد عن حسّه ، قد تولاه الحق تعالى بحفظه ، وأجرى الحكمة على لسان عقله ، لا لسان لفظه . فهذا ما يمكننا من بسط القول في هذا الباب والإشارة إلى مشرب الأحباب .

--> ( 1 ) هذان البيتان هما للشاعر العباسي كشاجم ، محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك أبو الفتح الرملي ، ولفظ كشاجم منحوت فيما يقال من علوم كان يتقنها : الكاف للكتابة والشين للشعر والألف للإنشاء والجيم للجدل والميم للمنطق ، توفي في حلب سنة 360 ه ، ولم يؤرّخ لولادته .