عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

85

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

ومن ردّه الحق تعالى من هذا المقام إلى العالم الأسفل في حقّ الأمّة لينفعهم ويفيدهم ويدعوهم إلى طريق ربهم ويفيض عليهم من أنوار المعارف ما يكون لهم سلّما إلى جناب الحق تعالى ، كالأنبياء وقادة العلماء ، فإن هؤلاء رزقوا من التمكين في الأحوال والقوّة في المقامات بحيث أنّ منهم من يصعد إلى أعلى علّيّين ثم ينزل عن ذلك المقام إلى أسفل سافلين في لحظة طرف ويهون ذلك عليه ، ثم يعود إلى مقامه الأول دون كلفة لأنّه في كلتا حالتيه باللّه لا بنفسه . فأما من رجع إلى المحسوسات وسكن إليها لمجرّد الراحة البدنية ففيه بقيّة . وأما المستغرقون في الأحوال الشهودية فإن أحدهم إذا أخذ في النزول إلى المحسوسات ولذاتها أغرته تلك اللذة المحسوسة بما كان فيه من اللذات الروحانية الشهودية فيشتدّ شوقه إلى تلك الحال ويحنّ إلى كمال لذّته بمشاهدة عالم الجمال ، إذ اللذات المحسوسات يستدلّ بها على اللذة الروحانية والمدلول أجلّ من الدليل عليه ، فهذا هو الفرق بين اللذتين عند العارف . وأما العامّي فيجب فطمه عن لذات المحسوسات ، إذ لا يطالع فيها إلا ذاتها وليس له نظر إلى سواها ، والكامل المعرفة يتوصل بكلّ شيء إلى ربّه تعالى : [ من الطويل ] ولمّا أبى إلا جماحا فؤاده * ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل تسلّى بأخرى غيرها فإذا التي * تسلّى بها تغري بليلى ولا تسلي « 1 » [ لا يمكن اتصال المحب بالمحبوب إلا بخلع ما سواها وترك الإحساس به ] إشارة : واعلم أن كل من أحب ذاتا مّا محبة كاملة خالصة وأراد الاتصال بتلك الذات لا يمكنه ذلك إلا بخلع ما سواها وترك الإحساس به ، فإذا صحّ له هذا مع صحة التوجّه فقد وصل إلى المطلوب من الاتصال ، ولا مانع من الاتصال بالحقّ مع حصول معرفته إلا بالشعور بما سواه ، ومن تجرّد عن بدنه واطّرحه ناحية وفني عن شعوره بذلك فقد اتصل بالحق ، لأن بدن الإنسان أقرب العالم المحسوس إليه ، فإذا فني عنه فقد فني عن العالم كله ، وهذا هو الوصول . ومن صار له هذا الانسلاخ ملكة بحيث يفعله متى شاء فهو الواصل على الحقيقة لتمكّنه من مقام شهود الحق . ولا يصح هذا إلا لأفراد العارفين ، وأكثرهم لا يصل إليه إلا

--> ( 1 ) هذا البيت هو لابن الدمينة ، عبد اللّه بن عبيد اللّه بن أحمد ، من بني عامر بن تيم اللّه ، من خثعم ، أبو السري ، والدمينة أمه ، وهو من شعراء العصر الأموي ، مجهول تاريخ الولادة وتوفي سنة 130 ه .