عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
75
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
تقريبه واصطفائه ، إذ لا يستوي من بذل نفسه في حقّ محبوبه ومن بخل بها فيما يروم من مطلوبه . ولهذا حكي أن بعض أرباب القلوب سمع محبوبا يعاتب محبّه بعتاب أغلظ له فيه حتى أثّر ذلك في قلب هذا السامع ، فلما كان بعد ذلك طلب أن يعتبه على ما كان منه في حق ذلك المحبّ المسكين ، فخرج إليه المحبوب وهو مبرقع ، فسأله عن ذلك فقال : إنما احتمل شدة عتابي وهاجر إليّ من أوطانه ليفوز بالنظر إلى وجهي فأنا لا أبيح أن ينظر إلى وجهي سواه . فهذا من غيرة المحبوب لمحبّه : [ من الطويل ] أعيني مهاة الرمل عنّي إليكما * لليلى علينا بالفلاة رقيب أغار على قلبي لها وتغار لي * على قلبها إنّ الهوى لعجيب فصل في الذكر : وأما الذكر فمن علامات المحبّ الاستهتار بذكر حبيبه ، فإن من أحبّ شيئا أكثر من ذكره ، وإن كان المحبّ لا يعتقد الغيبة عن حبيبه ولا نسيانه ، ولا شيء أقبح من ذكر الحاضر ، إلا أنّ لسان المحب مجبول على ذكر حبيبه ، ولهذا قالوا : « المحب إذا صمت هلك والعارف إذا نطق هلك » ، وإنما عنوا به ذكر أسرار الحبّ التي منع من كشفها لغير أربابها ، ولهذا قال علي بن الحسين صلوات اللّه عليه : [ من البسيط ] يا ربّ جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحلّ رجال صالحون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا وقال عليّ كرّم اللّه وجهه : « حدّثوا الناس على قدر عقولهم ، أتحبّون أن يكذّب اللّه ورسوله ؟ » . والذكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام : ذكر اللسان المستمدّ من القلب ، وهذا الذكر كثيرا ما يردّده المحب ويستعذب ترداده ويحبّ سماعه من غيره ولو كان على معنى العذل واللوم ، كما قيل : [ من الطويل ] أعد ذكر من أهوى ولو بملامي * فإنّ أحاديث الحبيب مدامي ليشهد سمعي من أحبّ وإن نأت * بطيف ملام لا بطيف منامي فلي ذكرها يحلو على كلّ صيغة * ولو مزجوه عذّلي بخصامي