عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

72

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

الوحشة من المحبوب وذلك من أعظم الحجب ، ومجرد الرجاء يوقع المحب في الإعجاب فيسقط بسوء الأدب ، ولا يصحّ سلوك السالك إلا باعتدالهما فيه . وأما القبض والبسط فإنهما صفتان يتواردان على قلب المحبّ فربما كانا عن سبب خفيّ جدّا لا يظهر وهما ألطف من الخوف والرجاء وأخصّ منهما بالمحبين ، وربّما صدرا عنهما فإن الخوف يقبض والرجاء يبسط ، كما قال بعضهم : الخوف يقبضني والرجاء يبسطني والحقيقة تجمعني والحق يفرّقني . فصل في المراقبة : وأما المراقبة فهي أعلى من الخوف رتبة وهي من مقامات المحبين المحققين ومعناها علم القلب بدوام شهود المحبوب له ، فهو دائم الإطراق مستجمع الهمّ ، شديد الفكر في المحبوب ، معرض عما سواه : [ من الطويل ] كأنّ رقيبا منك يرعى خواطري * وآخر يرعى ناظري ولساني يعني أنّه يمنع قلبه من أن يخطر غير محبوبه فيه ، ويصون اللسان عن النطق بغيره ، والبصر عن النظر إلا إليه ، والأذن عن الاستماع لغير كلامه ، فإن حدّث فعنه ، وإن استمع فمنه ، وإن لاحظ فإياه ، ولا يكون فيه نصيب لغيره ظاهرا ولا باطنا ، كما قيل : [ من الطويل ] إذا نحن أثنينا عليك بصالح * فأنت كما نثني وفوق الذي نثني وإن ظهرت في النطق دونك لفظة * لغيرك مخلوقا فأنت الذي نعني « 1 » ومن تحقّق هذا المقام لا يمكنه الالتفات إلى الخلق ولا يتفرّغ للقائهم ولا يصغي إلى حديثهم ، ولا يحتفل بهم ، ولا يعتذر إليهم ، ولا يلاحظهم من حيث ذواتهم ، فإن نظر إليهم من حيث أنهم صنعة المحبوب ووجودهم به ونسبتهم إليه فإنّما هو ناظر إلى السرّ القائم بهم لا لهم ، فهو إذا مع الصانع لا مع الصنعة ، بل تراه حاضرا مع الخلق وهو غائب عنهم بسرّه : [ من الطويل ] وإخوان صدق قد سئمت حديثهم * وأمسكت عنهم ناظري ولساني وما الزهد أسلى عنهم غير أنّني * وجدتك مشهودي بكلّ مكان

--> ( 1 ) هذان البيتان لأبي نواس الحسن بن هانىء بن عبد الأول بن صباح الحكمي ، شاعر العراق في عصره ( 146 - 198 ه ) . وجاء البيت الثاني على النحو التالي : وإن جرت الألفاظ منّا بمدحة * لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني