عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
70
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
لا غير ذلك ، كما قيل في هذا المعنى : [ من الوافر ] إذا ما كنت مسرورا بهجري * فإني من سرورك في سرور سئل سريّ السقطيّ : هل يجد المحبّ طعم الألم ؟ فقال : لا ، قيل : وإن ضرب بالسيف ؟ قال : وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة على ضربة . وحكي أن بعض الشطّار ضرب مائة سوط فما تألّم بذلك ، ثم ضرب بعد ذلك سوطا واحدا فتألّم وصاح ، فسئل عن ذلك فقال : العين التي كنت أضرب من أجلها كانت معي ناظرة إليّ فلم أجد للضرب ألما ، فلما غابت عني رجعت إلى جسمي فوجدت الألم . وكذلك أيضا حكي أن بشر بن الحارث قال : رأيت شخصا ببغداد قد ضرب ألف سوط ولم يتكلم ، فلما حمل إلى السجن تبعته فسألته عن سكوته فقال : معشوقي الذي كنت أضرب من أجله كان حذائي ينظر إليّ ، قلت : فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر ؟ قال فزعق زعقة وخرّ ميتا . وربّما بلغ ببعضهم الحال في ذلك حتى أنّه إذا أمره محبوبه بأن يموت مات كما حكي أن شابّا عشق جارية فسمعها يوما وهي تغنّي وتقول : [ من المتقارب ] علامة ذلّ الهوى * على العاشقين البكا ولا سيّما عاشق * إذا لم يجد مشتكى فقال : أحسنت واللّه يا سيّدتي أفتأذنين لي أن أموت ؟ فقالت له : مت ! فوضع رأسه على الوسادة وأطبق فمه وغمض عينيه فحرّك فإذا هو ميّت . ومثل هذا كثير . فكل من لا يستعذب تعذيب محبوبه فهو بعيد عن حقيقة المحبة : [ من المجتثّ ] عذابه فيك عذب * وبعده منك قرب وأنت عندي كنفسي * بل أنت عندي أحبّ حسبي من الحبّ أنّي * لما تحبّ محبّ ولا شكّ أن الرضى مقام جليل من أجلّ مقامات السالكين ، ومنزل رفيع من منازل المحبين ، ومن لم يصل إليه فما ذاق من لذة المحبة شيئا . ولهذا أنكره الجهّال وقالوا : لا يمكن وجود الرضى وليس إلا الصبر . ولا سبيل إلى تفهيم ذلك