عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
67
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
وبدت شموس الوصل خارقة * بشعاعها لسرادق الحجب وصفا لنا وقت أضاء به * وجه الرّضا عن ظلمة العتب وبقيت لا شيء أشاهده * إلا ظننت بأنّه حبّي وهذه الحالة ربّما غلبت على بعض المحبّين حتى تخرجه إلى الإفراط في الإدلال فتصدر منه أحوال وأقوال يظنّ الجاهلون أنها كفر أو زيغ ، فليس كذلك بل يجد فيها من ذاقها من الزيادة في صفاء وقته أمرا لا يلتفت معه إلى أقاويل المنكرين ، بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [ يونس : الآية 39 ] وتسمّى تلك الأقوال بلسان أربابها شطحا ، ومنها الأقوال المأثورة عن الحلّاج رحمه اللّه وغيره مثل العارف أبي يزيد البسطامي حيث قال : « أنا الحقّ » أو قال مرة « سبحاني » . وكثير من أرباب هذا الذوق من يحفظه الحق تعالى في حال سكره فلا يصدر منه ما يخالف ظواهر الشرع حتى يفتقر إلى التأويل ، وهم أهل التمكين في الأحوال ، فإنهم لا يتركون ملازمة الأدب طرفة عين . قال بعضهم : « قف على البساط وإياك والانبساط » وقال غيره : « فتح عليّ باب من البسط فزللت زلّة فحجبت عن مقامي أربعين سنة » . ومن علامات صاحب الأنس أن تستوي عنده الخلوة والملأ ، والغربة والوطن ، فلا يجد وحشة مع محبوبه إذ هو يشاهده في جميع الكائنات ، فيرى الوجود كلّه مواضع آثاره ، ومعالم أخباره ، ومواقع أنواره ، ومعادن أسراره : [ من الخفيف ] لمعت نارهم وقد عسعس اللي * ل وضجّ الحادي وحار الدليل فتأمّلتها وقلت لصحبي * هذه النار نار ليلى فميلوا وعندما يستروح المحبّ إلى نسيم الجمال ، وتستتر عنه لوامع بروق الجلال ، يستريح إلى تقبيل الآثار ، ويسأل الرسوم عن الأخبار ، ويطوف بالأطلال ، ويكثر الوقوف بها والتّسآل ، لتشهد النفس من مرابع أحبابها ، وملاعب أترابها ، ما يكون مذكرا لها بالسكّان ، فلتستدلّ على الأثر بالعيان . ومن شيم النفوس الحرّة الحنين إلى مألف الصبا ، والتعرّض لنفحات الضنا ، والشوق إلى معاهد عمرتها مع الأحباب ، وجرت في عرصاتها برود الشباب مع الأتراب : [ من البسيط ] تهفو إلى البان من قلبي نوازعه * وما بي البان بل من داره البان