عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
61
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
إليها إلا بغاية الرياضة القلبية المقرونة بالإعانة الإلهية ، فإذا هي حصلت لا يخشى زوالها ولا يخاف انتقالها ، لأنها منزّهة عن الأعراض : [ من الكامل ] اللّه يعلم لو طلبت زيادة * في حبّ عزّة ما وجدت مزيدا ومن هذه المحبة تفهم محبة الحق تعالى للعبد المأخوذة من صريح قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] ، فدلّ بها على أن محبّته تعالى لهم هي السابقة لمحبتهم بل هي شرط فيها ، ومعنى محبته تعالى لعبده تيسيره لطلب محبته وتوفيقه لمعرفته ، فلو لا تيسيره لمحبته لما أحبّه ، ولولا دلالته على معرفته لما عرفه ، ومن أين للعدم المحض معرفة واجب الوجود لولا ذلك ! [ من الكامل ] لمّا انتسبت إلى حماك تعرّفت * جهتي فصرت أنا وإلّا من أنا وأما محبة المخلوق فمعناها ميل نفس ناقصة إلى إدراك ما في إدراكه كمال مّا كلّي أو جزئيّ ليحصل بهذا الميل الكمال الذي فقدته من ذاتها ، إذ في جوهرها محبة الكمال والتطبّع به إلى أن تبلغ فيه إلى نهاية ما قسم لها . وإذا كانت هذه المحبة الإنسانية بهذه الصفة فمحبة اللّه تعالى لعبده ليست كذلك ، إذ كل جمال وكمال وبهاء وجلال ودوام وبقاء في العالم مستفاد منه وموجود به ، فلا يكون منه التفات إلى غيره من حيث أنّه غيره لاستغنائه بكمال ذاته عن كمال غيره ، فليس له نظر إلا إلى ذاته ولا محبة إلا لها ، ولكن إذا نظرت نظر تحقيق إلى الوجود كلّه لم تجد فيه شيئا إلا ذاته تعالى وأفعاله ، فهو الكلّ وما سواه عدم في الحقيقة ، وإذا كان العالم كلّه فعل اللّه وأحبّه فما أحبّ على الحقيقة إلا ذاته لوجود الأفعال كلها به وعنه . ولذلك لمّا قرىء على الشيخ أبي سعيد الميهني قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] ، قال : بحقّ يحبّهم فإنّه لا يحبّ إلا نفسه على معنى أنّه الكلّ فهو المحبّ وهو المحبوب وليس للأشياء من ذواتها إلا العدم ، والوجود المطلق الحقيقي للحقّ تعالى كما قيل : [ من الرمل ] ما لنا منّا سوى حال العدم * ولبارينا البقاء والقدم وإذا تقرّر أن محبة اللّه تعالى لعبده هي الحقيقة وبها تكون محبة العبد ولو لم تكن لم يكن في العالم محبة أصلا فهي النسبة الكبرى التي إليها تنتهي كل نسبة