عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
33
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
شخص أتمّ وأدوم كانت محبته لأجلها أدوم وأكمل ، وبقدر نقصانها فيه تنقص المحبة له . وقد تتضاعف هذه المحبة باستجماع هذه الخصال كلها في شخص واحد وتعدم بعدمها فيه ، ولا يشكّ أن هذه المحبة مجازية ، لأن من أحب شخصا لصفة تعود منه عليه فما أحب على الحقيقة إلا نفسه . ومثل هذا يقال فيه إنه محبّ لنفسه حقيقة ولغيره مجازا ، وليس غرضنا يتعلق بهذه المحبة إذ حاصلها يرجع إلى محبة الأجسام وبقائها ، وقصدنا صرف النفس عن ذلك إلى ما هو أشرف ، فهي ضدّ مقصودنا . وأما المحبة الذاتية ونعني بها التي تراد لذاتها فهي تنقسم إلى قسمين : أحدهما ما يعقل سببه والآخر ما لا يعقل له سبب . فالتي لا يعقل لها سبب هي محبة المناسبة الخفيّة عن الأذهان ؛ والتي يعقل سببها هي محبة الجمال والكمال الذاتيين للمحبوب . وقد انحصر مقصودنا من المحبة إلى ثلاثة أقسام : محبة الجمال ، ومحبة الكمال ، ومحبة المناسبة الروحانية . أما محبة الكمال فهي مزادة للجمال إذ الكمال مظهر للجمال ، وأما محبة المناسبة فهي أيضا خارجة عن مقصودنا من السلوك إذ لا يتوصل إليها بسبب مكتسب وإنما هي شيء وضع في الجملة بحسب القسمة الأزلية فلا يفتقر فيها إلى طلب ولا رياضة ، لكنّنا ننبّه على طرف منها من حيث الجملة لأنها إذا وجدت كانت أشرف أنواع المحبة وأدومها . [ انقسام المحبة بحسب المبادئ والغايات إلى عشرة أقسام ] فصل : وأما أقسام المحبة بحسب ذاتها فإنها تنقسم بحسب المبادئ والغايات إلى عشرة أقسام : خمسة منها مقامات المحبين السالكين . فأولها الألفة ثم الهوى ثم الخلّة ثم الشغف ثم الوجد . وأما مقامات العشّاق فأولها الغرام ثم الافتتان ثم الوله ثم الدهش ثم الفناء . واسم المحبة يشتمل على الكل إلا أن المحب لا يخلو إمّا أن يستعمل المحبة أو تستعمله ، فإن استعملها وكان له فيها كسب واختيار سمّي محبّا اصطلاحا ، وإن استعملته المحبة بحيث لا يكون له فيها كسب ولا اختيار ولا نظر لنفسه بما تصلحه فهو عاشق ، فالمحب مريد والعاشق مراد . [ الألفة ] فصل : وأما الألفة فهي أول مقام من مقامات المحبين ، ومعناها إيثار جانب المحبوب على كل مطلوب ومصحوب ويستدعيها الإنسان باستقراء محاسن المحبوب وإدامة الفكرة في لطافة شمائله وما هو عليه من بديع الصنعة وغريب