عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
29
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
وافى وقد عبقت بنشر أحبّتي * نفحاته لا عرعر وثمام فطربت لا أدري بأيّ لطيفة * وسكرت لا أدري بأيّ مدام لولا هوى للروح بين خيامهم * ما كنت ولّاعا بكل خيام وقال بعض العلماء : المحبة صفة عامّة سائرة في سائر الذوات على اختلاف أجناسها حيّها وجمادها ، إذ النور الذي به ظهرت عامّ في الموجودات كلها من لدن أعلى عليّين ومنحدرا إلى أسفل سافلين وأن بالمحبّة تمّت الكائنات وعنها وجدت على اختلاف الحركات ، حتى إن حركة الخائف إنما بعثه عليها حبّ النجاة فمن أجل ذلك تحرّك ، فهي كامنة في كل جوهر وما من وجود في العالم إلا وله نصيب منها قلّ أو كثر بطن أو ظهر ، فهي أعمّ نسب الوجود ، وبقدر نصيب الذات تناسب جميع الذوات وتشاركها وبحسب ذلك يكون صعود الصاعد منها إلى العوالم الروحانية ، فهذا ما ذكره ، والأول عندي أكثر تحقيقا لأنّا نسلّم التعاشق الذي بين ذوات الأنفس وبين ذوات الأرواح ، وأما الذي بين الجمادات من التآلف والمناسبة كما هو بين الحديد والمغناطيس أو المنافرة كالذي يوجد بين بعض الأحجار والخلّ في منافرته له حتى إنّ هذا الحجر إذا ألقي في الخلّ لا يرسب فيه على استقامة بل على الانحراف فهي خواصّ جعلها الحق تعالى فيها بحسب تناسب قواها وتقارب طبائعها الجسمية ، لا أنها عن أسباب روحانية . وقد انقضت إشارتنا إلى التنبيه على المحبة الكلية . فصل : وأما المحبة الجزئية التي إليها قصدنا وعنها عبّرنا التي هي أذواق النفوس الإنسانية وأرواح لطائفها الربانية الموصلة بها إلى العوالم القدسية الجامعة شملها بالنسب الكلية فهي سلافة « 1 » نورية إذا دارت على النفوس المتيقظة أسكرتها بصفو مدامها ، وأسمعتها لذيذ نغمات كلامها ، فطربت وحنّت إلى محلّها الأعلى وجنابها الأسنى ، وخرقت الحجب والأستار وزفّت إلى أفق لطائف الأسرار ، ولذّتها لا تنفكّ عن شائب ألم يشوبها ، إذ من لوازمها الشوق وهو زاعج يزعج النفس لطلب كمال الإدراك وتمام اللذة به فهي عذاب في نعيم ولذّة مشوبة بقهر ، كما
--> ( 1 ) سلافة كل شيء : خلاصته .