عفيف الدين التلمساني
96
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : الواقف لا يقبله الغيار ولا تزحزحه المآرب ) . قلت : الغيار من التغير ، وهو لا يقبل الواقف ، وذلك لأن صفة الواقف الديمومة وهي مناقضة للغيار ، وهو أيضا لا تزحزحه المآرب وهي الأغراض ، وذلك أنه ما وصل إلى الوقفة حتى فارق كل الحظوظ . قوله : ( وقال لي : حكومة الواقف صمته ، وحكومة العارف نطقه ، وحكومة العالم علمه ) . قلت : الحكومة هي ههنا : ما يحكم به على الشيء ، فالمعنى إذن أن الذي يحكم به على الواقف صمته ، وأن الذي يحكم به على العارف نطقه ، وأن الذي يحكم به على العالم هو علمه . ثم ينبغي أن تعلم أن ليس الواقف صفته هي أن يصمت ولا ينطق ، ليس كذلك ، بل يصمت وينطق ، وليس هو من حيث هو لا صامت ولا ناطق ، ولكن المقصود بالصمت هنا هو : أنه لا يعارض أحدا في شيء ولا يجادله لأن كل قائل عنده معزور ؛ لأنه يعلم مبالغ الموجودات ، فيعمل على قوله : « ذلك مبلغهم من العلم » فيصمت عن جواب كل ناطقه إقامة لعذره فيما قال بخلاف العارف ، وعلامة العارف في نطقه هو أن يجيب عن المسألة الواحدة بجوابين فأكثر متناقضين بحسب شخصيته مثلا أو أكثر ؛ وذلك لأنه يعين الحل سائل جوابا هو نصيبه اللائق به ، فهو أبدا ينطق عن اللّه ، وإذا صمت لم يصمت ، وهو يلحظ غير جانب اللّه تعالى ، وأما العالم فليس عنده إلا جواب واحد هو الراجح من مذهبه ، وهو في حضرة الأغيار وقراره الأكدار . قوله : ( وقال لي : الوقفة وراء ما يقال والمعرفة منتهى ما يقال ) . قلت : إنما كانت المعرفة نهاية ما يقال ؛ لأنها في حضرة الوصول إلى اللّه تعالى ؛ فإليها ينتهي النطق ، والذي تحتها هو مبدأ النطق وهو العلم ، وأما الواقف فلا يحويه القول ، ولا تأخذه العبارة ، ولا ينطق إلا ويجد نطقه قد اشتمل على غلط لا يمكن الاحتراز منه ، فهو وراء الليل والنهار ، ووراء ما فيهما من الأقدار ، أي فوق ذلك .