عفيف الدين التلمساني

93

شرح مواقف النفري

حظيظه ، فمحل المعرفة هو حقوق اللّه تعالى وهي أسماؤه وصفاته والإخبار عنها ، فهو معرفة لا علم ، وليس للعارف أن يخبر عن اللّه عزّ وجلّ من مرتبة ذاتية ، وإنما ذلك للواقف فهو إخبار الحق تعالى عن نفسه فلا جرم كان في الحق تعالى وقفته . قوله : ( وقال لي : أنا أقرب إلى كل شيء من نفسه ، والواقف أقرب إليّ من كل شيء ) . قلت : هذا التنزل فيه أسرار غامضة ، وعناقيد يراها المحجوب حامضة ، وحيث التزم القلم بالبيان فلا سبيل إلى قبض العنان ، فنقول لا شيء أقرب إلى شيء من نفسه إلا الوجود ، ولذلك إنه إنما يدرك نفسه بالوجود ، فالوجود علة اجتماعه بنفسه ، والوجود حقيقة هو نور اللّه بمضمون قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النّور : الآية 35 ] . فالنور أقرب إلى كل شيء من نفسه بما شرح . وأما الواقف فإنه أقرب إليه من كل شيء ؛ إذ كل شيء هو في الشهود غيره إلا الواقف ، فإنه يصير عين النور صيرورة يعرفها من صارها ، وهذا المقام هو الذي طلبه النبي صلى اللّه عليه وسلم فحصله وتبعه في ذلك إخوانه ، وذلك قوله : « اللهم اجعل لي نورا » فطلب مقام المعرفة ثم قال : « اللهم اجعلني نورا » فطلب مقام الوقفة ، فإذن لا شيء أقرب إلى الحق من الحق تعالى وتنزه وتسبح عن الثنوية وتعالى . قوله : ( وقال لي : إن خرج العالم من رؤية بعدي احترق ، وإن خرج العارف من رؤية قربي احترق ، وإن خرج الواقف من رؤيتي احترق ) . قلت : أ - العالم : عالمه البعد ، وبعده بوصفين : أحدهما كونه لا يرى إلا الغيرية وهي بعد ، والآخر كونه يجزم بأن الحق تبارك وتعالى لا يدرك كنهه ، ولا ترجع العقول بدرك من علمه . وكلا الوصفين بعد ، ومتى خرج العالم عن هذين احترق ، واحتراقه بأحد وصفين ، إما بأن يخرج إلى المعرفة فيحترق بالفناء بحسب ما حصل له من التجلي العرفاني ، والفناء احتراق معنوي ، وحقيقة المراد من هذا الاحتراق أنه إذ ذاك لا يسمى عالما ، بل عارفا فاحترقت إذن علميته ؛ وأما الوصف الآخر فهو أن يخرج عن العلم لا إلى المعرفة بل إلى أسفل ، وهو إن يعرض عن