عفيف الدين التلمساني
45
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : لا يحس به كشف فيما رآني ورآه ، حجاب في الحقيقة ) . قلت : معناه ضعف الشرك بحيث لا يحس به وهو حجاب في الحقيقة لأنه شرك في الجملة ، فحاصل هذا أنه مهما بقي من العبد ما يرى ولو كان بربه تعالى فإنه مقام شرك حتى يتخلص جناب الحق تعالى من توهم المعية . قوله : ( وقال لي : الحقيقة وصف الحق ، والحق أنا ) . قلت : معناه أن عالم الحقيقة هو محل توحيده تعالى ؛ لأن اشتقاق الحقيقة من لفظ الحق ، والحق هو تعالى ؛ وذلك لأن ما سواه باطل أي عدم ، قال عليه السلام : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل « 1 » * وكل نعيم لا محالة زائل » فوصف من سوى اللّه تعالى أنه باطل ، والباطل معدوم فيكون الكريم سبحانه وتعالى هو الحق المبين ، فكل إبانة إذا ظهرت قلت أو كثرت فهي من المبين تعالى ، وليس له في ذلك شريك فإنه أغنى الشركاء عن الشرك ، فتفطن تجد المطلوب إن شاء اللّه تعالى . قوله : ( وقال لي : هذه عبارتي وأنت تكتب ، فكيف وأنت لا تكتب ) . قلت : معناه هذا تعرفي إليك ظاهرا جليّا عن الشك خليّا من الشرك وأنت لست بأمي فكيف لو كنت أميّا . وهنا سر لطيف ، وهو أن الأمي أقرب إلى الحضرة الإلهية من الكاتب الحاسب ، ولذلك قال النبي عليه السلام : « نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب » « 2 » . فأفتخر بذلك له ولأمته عليه السلام ، وسبب ذلك بقاء الفطرة الإلهية على بساطتها وسذاجتها ليكون ما يرد عليها هو علمها ، لا ما ينتجه فكرها ، فإن الفكر عندنا كفر إلا للعباد الذين يتفكرون في خلق السماوات
--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الشعر ، حديث رقم ( 2256 ) [ 4 / 1768 ] وأحمد في المسند عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 10076 ) [ 2 / 470 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه البخاري ومسلم بلفظ : « إنّا أمّة أمّيّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين » ( صحيح البخاري ، حديث رقم ( 1814 ) [ 2 / 675 ] وصحيح مسلم ، حديث رقم ( 1080 ) [ 2 / 761 ] ورواه غيرهما .