عفيف الدين التلمساني

39

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : أوليائي الواقفون بين يدي ثلاثة فواقف بعبادة أتعرّف إليه بالكرم ، وواقف بعلم أتعرّف إليه بالعزّة ، وواقف بمعرفة أتعرّف إليه بالغلبة ) . قلت : هذا التنزل مفيد جدّا لأنه بين فيه رتب السالكين ، وهي المراتب الأصيلية ، وذلك أن السالكين : أ - إما بالعبادة وهم أهل التقليد . ب - وإما بالفكر وهم الفلاسفة والمتكلمون . ج - وإما بالمعرفة وهم أهل الأذواق من الصوفية ، وقد شرح في هذا التنزل كيف يتعرف الحق تعالى إلى كل طائفة منهم بحسب مقامها منه ، وإنما اختلفت أنواع سلوكهم لاختلاف استعداداتهم فكله كل استعداد ما يناسبه ذلك تقدير العزيز العليم فقوله : فواقف بعبادة أتعرف إليه بالكرم فإن العباد هم أهل تجارة يعبدونه لطلب ثوابه ، وما أعده لأمثالهم في مآبه فيتعرف إلى قلوبهم بالكرم ، وتعرفه إليهم بالكرم على نوعين : أ - نوع يتلقونه بالتقليد مما نقلته الأنبياء عليهم السلام من ربهم تعالى من الوعد الجميل . ب - ونوع يجدونه في النوم من المرائي التي هي جزء من النبوة ، وفي اليقظة أيضا ، وهو ما يظهر عليهم من الكرامات الدالة على كرم الكريم عليهم بها ، ومن هذه الطائفة العابدون خوفا من العقاب يتعرف إليهم بالعفو عنهم وهؤلاء هم أنزل هذه الطائفة مقاما والتعرف بالعفو عنهم هو أيضا من الوعد الجميل ، فهو تعرف بالكرم . قوله : ( وواقف بعلم أتعرف إليه بالعزة . . ) . قلت : هؤلاء هم الطائفة الثانية وهم الفلاسفة والنظار في أصول الدين من المتكلمين وليس علماء الفروع منهم وهؤلاء يتعرف إليهم بالعزة ومعناه أن يعز وجود مطلوبهم ، فلا يظفرون به أبدا فيعظم الحق في قلوبهم لذلك ويقولون : إن كنه ذات الباري تعالى لا سبيل إلى العلم بها فيكتفون من معرفته بهذا القدر وهو