عفيف الدين التلمساني
312
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : إذا كنت كما أريد في كل شيء فابك على نفسك ونادني أعوذ بك من سوء القرين ) . قلت : يعني إذا عمل الأعمال الصالحة على حسب المراد المكلف به فهو صاحب أعمال ، وصاحب الأعمال يبكي نفسه ، فإن الأعمال لأهل الجنة نعم القرين ، والأعمال عند أهل اللّه تدل على ثبوت النفوس ، والنفوس نفس القرين . قوله : ( وقال لي : إذا كنت لي كما أريد في بعض الشيء فقد ركبت الخطر وإن تحرك بؤبؤ عينك ضرك ) . قلت : هذا التنزل من تتمة الكلام الذي قبله ، وقوله : ركبت الخطر بمقدار ما عمل لي منك بما أريد الخطر عنده إنما هو الحركة في العمل ؛ لأن المراد إنما هو أن يفنى عن العمل وغيره ، غير أن تخصيصه العمل إنما هو لشدة تبشر النفس به لكونه معدودا من الأعمال الصالحة ، وإلا فكل حركة عنده إذا نسب إلى النفس دلت على عدم فنائها فهي ضارة ، والدليل عليه قوله : وإن تحرك بؤبؤ عينك ضرك . قوله : ( وقال لي : كلك خلق فماذا تروم ، فرأيت السد وقد أحاط بي ورأيته في السد يضحك ، وقال هذا منزل أهلي ولا أضحك إلا فيه ) . قلت : يعني أن الخلق لا يمكن أن يرى الحق تعالى فلا جرم قال له فماذا تروم . وأما السد الذي أشار إليه فهو أحكام الخلقية التي منها دخل عليه ما لا يريد ، وقد يريد بالسد معنى غير هذا ، وهو : أنه لما غاب عليه التعلق بالأعمال الصالحة العائقة له عن الفناء الذي هو باب البقاء رأى نفسه قد مالت إلى ترك التعلق بالأعمال الصالحة فسمي هذا الترك سدّا لما تقتضيه العقيدة الصحيحة ويدل عليه العلم النافع فقال : إن السدود أحاط بي إلى ترك الأعمال . قال فرآه في ذلك السد يضحك ، والمراد بالضحك الرضى والإقبال لا جرم قال هذا منزل أهلي ، أي ترك التعلق هو منزل أهله الذين هم أهله لا أهل الجنة . ومعنى قوله : « لا أضحك إلا فيه » أي لا أرضى عن السالك إلا به . قوله : ( وقال لي : قد جعلت لك في السد أبوبا مفتوحة بعدد ما خلقت وغرست على كل باب شجرة وعين ماء باردة وأظمأتك