عفيف الدين التلمساني
30
شرح مواقف النفري
تصريحا أظهر وهو قوله : الشاهد الذاكر إن لم تكن حقيقته المشهودة هي الحقيقة الذاكرة نفسها وإلا كان ذكره حجابا له ، ولا شيء أصرح من هذا في أن المشاهد حال الشهود يكون حقيقة المشهود ، وأنت أيها السيد المطالع لهذه الحروف إن ضعف استعدادك عن قبول هذا الحكم فاعلم أن الشاهد والمشهود وإن كانا واحدا إلا أن هذا هو البعد ، وما يضرك أن يكون العبد يشهد نفسه إذا بقي عندك جانب الحق منزها عن أن يكون حقيقة من شهده وإن زاد بك المنع وقوي عندك لهذا المعنى ما يوجب الدفع ، فلعلك تدفع أيضا أن يكون الحق سمع عبده المتقرب إليه بالنوافل وأبصره ، إلا أنك لا تستطيع ذلك لثبوته في الحديث الصحيح وإن كنت من غير ملّتنا وهي ملّة الإسلام ، فإما يهودي فإن تستطيع أن تدفع قوله في التورية ، يزيد أن يخلق خلقا شبيها بشمائلنا وصورتنا ، والشبه ليس في الذات ، ولا في الصفات لأن اللّه تعالى قال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : الآية 11 ] باتفاق منا ومنكم بقي أن يكون هو الظاهر نفسه ، كما أخبر ، ويكون ذكر التشبيه نظير قولك مثلك يقول هذا القول أي أنت وإن كنت نصرانيّا فلن تستطيع أن تدفع ما تدعيه من أن السيد المسيح قال الثاء وفلا ياثاء وفلا أقمت فيكم مدة هذه مبلغها وما عرفتموني أنا في الأب والأب فيّ ، من رآني فقد رأى الأب ، أنا والأب واحد ، ونحن لا نوافقكم على نقل هذا أنه صحيح ، لكن فيه حجة عليكم إذا أنكرتم أن الشاهد يكون حقيقة المشهود . قوله : ( وقال لي : ما كل ذاكر شاهد وكل شاهد ذاكر ) . قلت : معناه أن الذي يذكر من لم يشهده فهو ذاكر إلا أنه لا يكون شاهدا وأما الذاكر إذا كان شاهدا ، فأي ذكر أبلغ من الشهود فهو في حكم الذاكر وهو أدنى مراتبه . قوله : ( وقال لي : تعرفت إليك وما عرفتني ذلك هو البعد ) . قلت : معناه أن بعده تعالى كما تقدم ليس بعد مسافة ، لكنه إذا تعرف إلى عبده فلم يكن للعبد استعداد أن يعرفه فذلك هو بعده عن ذلك العبد ، فالحجاب هو البعد . قوله : ( رآني قلبك وما رآني ، ذلك هو البعد ) . قلت : معناه أن القلوب كلها تراه تعالى لكنها تظن أنها رأت غيره ، وذلك هو البعد ، وهذا هو معنى قوله : « رآني قلبك وما رآني » . ويشبه هذا المعنى ما ذكرته