عفيف الدين التلمساني

28

شرح مواقف النفري

المشهد حال شهوده لا يكون مغايرا لأن الحق تعالى بدل أوصافه بمحوه عن نفسه ، وأبقاه به تعالى لا بنفسه ، وإذا تبدلت صفاته وذاته فليس مغايرا ، وفي هذا المعنى أنشدهم منشد خماريه : تبدل أوصاف النديم بوصفها * فينتشي له قلب وطرف ومسمع « 1 » فنعود إلى الشرح ونقول : صاحب هذا المقام خوطب بأنه لم تتبدل أوصافه بعد ، فلا جرم قيل له لا بعدي عرفت ، ولا قربي عرفت ، ولا وصفي كما وصفي عرفت . ولولا ذلك لم يخاطب بتاء الخطاب المفتوحة في قوله عرفت فإنه أثبت له أنانية ، والذي تبدلت أوصافه هو محو في وجود ربه تعالى عزّ وجلّ . قوله : ( وقال لي : أنا القريب لا كقرب الشيء من الشيء ، وأنا البعيد لا كبعد الشيء من الشيء ) . قلت : معناه أن كل ما يقال فيه أنه شيء فبعده من شيء آخر هو بنوع غير النوع الذي يقال في الحق به أنه بعيد أو قريب ، وذلك لأن قرب الحق تعالى من الشيء هو أن لا يبقي لذلك الشيء معه وجودا البتة ، وليس قرب شيء من شيء هو بهذه الصفة ، وفي هذا المعنى أنشد قائلهم : فما فيّ من شيء لشيء موافق * وما منك من شيء لشيء مخالف « 1 » وبالجملة : البعد والقرب بين الأشياء بمسافة ما به الحق تعالى قريب أو بعيد . قوله : ( وقال لي : قربك لا هو بعدك ، وبعدك لا هو قربك ، وأنا القريب البعد قربا هو البعد ، وبعدا هو القرب ) . قلت : معنى هذا التنزل الشريف عجيب ؛ وذلك أنا بينا أن قرب الحق تعالى من عبده هو أن يشهده فناه في وجود سيده ، وحينئذ يثبت ويبقى ببقاء سيده . ولا شك أن هذا القرب بعد لأنه فناء للمشاهد عن ذاته وعن جميع أوصافه ، وأي بعد أشد من هذا مع أنه هو القرب ، فإن قلت بأي معنى يكون الفناء قربا مع أن الذي

--> ( 1 ) لم أعثر على قائل هذا البيت .