عفيف الدين التلمساني
277
شرح مواقف النفري
وإن كانت الحقيقة في نفس الأمر هو أن لا غير ، لكن لكل مقام مقال ولكل مجال رجال . 41 - موقف الفقه وقلب العين قوله : ( أوقفني وقال لي : ما أنت قريب ولا بعيد ولا غائب ولا حاضر ولا أنت حيّ ولا أنت ميت فاسمع وصيتي وإذا سمّيتك فلا تتسم وإذا حليتك فلا تتحلّ ولا تذكرني فإنك إن ذكرتني أنسيتك ذكري ، وكشف لي عن وجه كل شيء فرأيته متعلّقا بوجهه وعن ظهر كل شيء فرأيته متعلّقا بأمره ونهيه ) . قلت : اعلم أنه قد كشف في هذا التنزل ما يقتضيه الشهود الكلي ، والمراد بمعنى الخطاب نفي أنانية المخاطب حتى يشهدها في مضمون المشهود الحق فيكون للحق تعالى لا له ، فحاول نفيها بقوله برفع النقيضين معا ، ولو كان الواقع بينهما ثابتا لما ارتفعا في حق ، فإنهما لا يقعان في حق شيء ، فإذن المراد إعدامه البتة ، وعبر عن ذلك برفعها في حقه فقال لا قريب ، ولا باعتبار واحد من اعتبارات القرب . ولا بعيد ولا باعتبار واحد من اعتبارات البعد ، وكذلك معنى قوله : لا حاضر ولا غائب ولا حي ولا ميت ، فإن المراد كله إنما هو ليست إليها العبد بثابت مع وجود الحق ولا باعتبار واحد من اعتبارات الثبوت . هذا في وقت كون العبد في حال الشهود ، وهو يرى والمشهد بين يديه تعالى ، فإن الحق تعالى لا يرى بحضور غيره . ولما كان المراد إنما هو نفي أنانيته قال له : « إذا سميتك فلا تتسم » يعني أن التسمية إنما تكون لمن هو متعين أو هو ثابت بوجه ما ، ولا ثبوت لهذا العبد والحالة هذه . وكذلك معنى قوله : « وإذا حليتك فلا تتحل » ، وهو من الحلى أي الصفات . ثم أكد عليه بقوله : ولا تذكرني أي لا تثبت أنك تذكرني فيلزم من هذا أنك ثابت ، فإن الذكر لا يكون من غير ذاكر . ومعنى قوله : « أنسيتك ذكري » أي ذكري الحقيقي وهو شهودك أن ليس في الوجود غيري ، ثم كشف لعبده عن جواب سؤال مقدر وهو أن يقال إن العبد يقول تقديرا إذا كنت أنا غير ثابت ، وكل الكائنات مثلي فيجب أن تكون هي أيضا غير ثابتة ، وهذا أصعب وشنيع ، وهو أن تنفي الموجودات كلها مع أن الحس يشهد بثبوتها ، فحصل الجواب بقوله : وكشف سر هذا هو أنه كشف له أن كل وجه هو