عفيف الدين التلمساني

262

شرح مواقف النفري

حال الرؤية أين يكون العالم ، فإن قال في مكانه فهو كاذب ؛ فإن مكانه قبل الرؤية هو عالم الخلق ، وإن قال إن الخلائق تفنى عند تحقق الرؤية فيقال له هل فناؤها هو بعدمها البتة أم فناؤها هو بقيام الحق تعالى بنفسه لنفسه والقيومية منه تعالى قائمة بمراتب تلك الفنايات ، فإن قال فناؤها هو بعدمها البتة فهو كاذب ، وإن قال بالتفسير الأخير فقد صدق قوله ، وبقي حاله فإن كان موافقا لقوله فهو صادق مطلقا وإلا صدق لسانه فقط فحصل من هذا من نفي السوى فقد لا يرى ، وأما من رأى فلا بد أن ينفي السوى . قوله : ( وقال لي : لا تكون عبدي حتى أدعوك بلساني إلى السوى فتجيب الدعاء وتنفي السوى ) . قلت : اعلم أن السوى إنما هو معنويات عدمية ظهر بها الوجود الحق ، فإذا دعاك الحق تعالى بلسانه إليها لا بلسان السوى فأجبته فيها لكونه الظاهر بها لا بكونها هي الظاهرة بأنفسها فأنت عبده حقّا ، وذلك أنه دعاك إلى مواطن الشرك فصادفك مخلصا بالتوحيد ، وهذه حقيقة العبودية التي هي الحرية حقّا . قوله : ( وقال لي : أنت عبد السوى ما رأيت له أثرا ) . قلت : قال الشيخ محيي الدين رحمة اللّه عليه واسعة في هذه المسألة ما معناه أن العالم غيب لم يظهر قط ، والحق تعالى هو الظاهر الذي ما غاب قط ، والناس في هذه المسألة على عكس الصواب فيقولون العالم ظاهر والحق تعالى غيب ، فهم بهذا الاعتبار في مقتضى هذا التنزل كلهم عبيد السوى . وقد عافى اللّه تعالى بعض عبيده من هذا الوباء والحمد للّه . قوله : ( وقال لي : أثر كل شيء حكمه ) . قلت : هو قد فسر الأثر بالحكم . قوله : ( وقال لي : إذا لم تر للسوى أثرا لم تتعبّد له ) . قلت : اعلم أن جناب العزة الإلهية غيور ، ولذلك سمي بعرض الذهن مثلا لتصور مدرك ما من المدركات هو عبادة من ذلك الذهن لذلك المتصور هكذا هو معاملة الحق تعالى لخواصه ، وأما العباد فلا يصلحون لهذه المنافسة ، ولا يؤاخذون هذه المؤاخذة فإن العلم لم يذهب بهم عن السوى ، بل هم مطالبون بإثباته .