عفيف الدين التلمساني
249
شرح مواقف النفري
تعالى . وذلك هو الفناء في التوحيد ، وإذا فنيت الشيئيات شاع الإخبار عن هذه الحالة بقولنا : ليس معه غيره ؛ وهو قول الأكابر ما في الوجود إلا اللّه ، وشاع الإخبار عنها بقولنا : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » لذهاب الشيئيات أيضا . لكن الإخبار بلفظ الآية أدل على المعنى المطلوب ليكون رسما لقوله : « وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » فإن السمع والبصر صفات وجودية لا يمكن صرف شيئياتها عنه تعالى ، لكن المخلص من هذا الإشكال أن ترى أن حقيقة السمع والبصر لم تقم بغيره عز وتقدس وبهذا يتم تفصيل التوحيد ، وهو شهود الكثرة في عين الوحدة ، فالذي يخص الوحدة ليس كمثله شيء ، والذي يخص الكثرة قوله : « وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » وهذا هو الشهود التام لكنه لا يوجد بالأذهان ولا الأفهام فكيف الخيالات والأوهام . بقي قوله أن تراها بادية مني : أن لا ترى الشيئيات بادية من غيره . قوله : ( وقال لي : لا تذهب عن هذه الرؤية تختطفك المرئيات ولا تخرج صفتك عن هذه الرؤية تختطفك صفتك ) . قلت : هذا التنزّل من تمام المعنى الذي قبله ، وهو وصيته بالتزام شهوده بمعاطات ما يوجبه ، والذي يوجبه هو التعرض لنفحات الرب تعالى ، فقد ورد في الأثر « إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لنفحاته » ، ثم إن معنى قوله لا تذهب عن هذه الرؤية أي أنه تعالى قواه على مداومة هذا المشهد ، فإن قول اللّه تعالى هو فعل ، وإنما كانت ملازمة شهود هذا المشهد الشريف بعضهم من يخطف المرئيات لأن المرئيات تكاد تثبت الوجودية ، وأكثر ذلك في نظر المحجوبين ، فنهاه عما توهم الكثرة لأن الكثرة منافية لقوله : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » وأما « لا تخرج صفتك عن هذه الرؤية » لأن صفته الخلقية قد أفناها التجلي ، وأثبت له صفة وجودية إلهية وحدانية ، فلو أخرج صفته هذه الوحدانية عن هذه الرؤية الموجبة لها عادت الصفة الخلقية وعبر عن عود الصفة الخلقية إليه بقوله : « فتخطفك صفتك » يعني الخلقية . واعلم أن الوصايا الواردة من جانب الحضرة الإلهية ليست ألفاظا ، بل هي أحكام مثاله قوله : « لا تخرج عن هذه الرؤية » ليس معناه إلا أني حكمت لك أن لا تخرج عن هذه الرؤية ، فلو رام أن تخرج عن هذه الرؤية لم تقدر ، وظاهر اللفظ يقتضي في العادة أنه يقدر ، وإلا لما كان للنهي فائدة ، لكن من علم لغة التجليات