عفيف الدين التلمساني
242
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : لا تكتب ولا تهمّ ، ولا تحسب ولا تطالع ) . قلت : معناه أنه ينبغي للسالك أن يعرض عن كل شيء . وهذا الإعراض لا يجتمع مع الكتابة ، لأن الكتابة تتعلق بالمكتوب وهي الأشياء ، قال : ولا تهم سر الكتابة فإنه تعلق أيضا ، والإعراض المذكور ينافيه . وكذلك الحديث هو حديث النفس عن الأشياء . والمطالعة هي مراجعة ما تضمنته الكتابة والإعراض عن كل ما سوى اللّه تعالى ينافي ذلك كله . قوله : ( وقال لي : الهمّ يكتب الحق والباطل ، والمطالعة تحسب الأخذ والترك ) . قلت : يعني أن الهمّ الذي هو العزم على الكتابة يقتضي أن يكتب ما هو داخل تحت القولية ، وكل ما هو داخل تحت القولية لم يخل من حق وباطل . ثم إن مطالعة ذلك المكتوب أو غيره يقتضي تقييم الفكر بين ما هو حق فيأخذه وبين ما هو باطل فيتركه ، فهو يقتضي الأخذ والترك . وذلك كله شاغل عن اللّه عزّ وجلّ . والحق غيور تبارك وتعالى وتقدس . قوله : ( وقال لي : ليس مني ولا من نسبتي من كتب الحقّ والباطل وحسب الأخذ والترك ) . قلت : أما من كتب الحق والباطل فليس من أهل الشهود ، لأن الشهود عصمة للشاهد عن الباطل فمن كتب الحق والباطل ليس منه ، ولا من نسبته تعالى . وأما من حسب الأخذ والترك فهو محجوب لأنه إنما يأخذ ويترك بالفكر والفكر كفر عند أهل السلوك إلى اللّه عزّ وجلّ لأن القوم اشتغلوا بذكره ، ووكلوا الأمر إليه فلم يحتاجوا أن يتفكروا . ولا تقل أن اللّه تعالى أثنى على من يتفكر في آياته تعالى ، فإن ذلك لأهل العمل لا لأهل الوجدان . وقد نقل فيما يؤيد ما ذكره في هذا التنزل عن الشيخ أبي الغيب الذي كان في أبيات عكا من أرض اليمن ، أنه كان ينادي مناديه كل ليلة عند وقت النوم فيسمع جميع تلاميذه والواردين عليهم بما صورته معاشر الفقر إلا تبين أحد منكم هنا فإنه من بات هنا بات مع العقل ، ومن بات مع العقل لم يخل عن حق وباطل ، وهذا الكلام هو معنى التنزل بعينه .