عفيف الدين التلمساني
238
شرح مواقف النفري
لأنه إنما يتكلم مع أهل السلوك الذين هممهم معرفة مقاماتهم وقد قال تعالى : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ [ الأنعام : الآية 139 ] فإذن وصف الإنسان في حال يقظته هو بعينه ينسحب على نومه وموته وبعثه . قوله : ( وقال لي : لا يجري عليك في نومك إلا حكم ما نمت به ، ولا يجري عليك في موتك إلا حكم ما متّ به ) . قلت : يعني أن مرأى الإنسان في نومه هي راجعة إلى الخيالات التي مرت له صدورها في يقظته إلى أن نام ، وهذا أمر لا يعرفه حقيقة إلا أهل الخلوات لانقطاع المحسوسات عنهم فترة تكاد ينسون فيها أحكام الحس ، فتنقل الخيالات ، فيتمكن السالك من استجلاء معانيها ، فيجرب كثيرا منها فيجد أنه لا يجري عليه في نومه إلا أحكام يقظته ، ولذلك يصير مرأى السالك لونا آخر غير ألوان مرأى غيره لاشتمال يقظته على خلاف ما كانت تشتمل عليه . ولذلك تكون تعبير مرائيهم مغايرا لتعبير مرأى غيرهم . ومثال ذلك أن السالك إذا رأى في نومه أنه مات ودفن ، كان تفسيره بأنه يحصل على مطلوبه من التجلي الذي يفنيه عنه بالحق ، وأما المحجوب فإنه إذا رأى هذه الرؤيا بعينها كان تعبيرها أنه يموت ودينه ، فأخلف حالهما في التعبير حتى صارا طرفي النقيض . وأما حالة الموت فإنها كما ذكرنا تابعة لحالة الحياة . قوله : ( وقال لي : رد عليّ في كل شيء أرد عليك في كل شيء ) . قلت : إن أراد رد من الورد فمعناه لاحظ في مواقع نظرك إلى كل شيء بجميع مشاعرك ومداركك آياتي أرد عليك فيما وردت فيه علي ، وهذا حال من قال : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه » وإن كان المراد رد من الرد وهو الإعادة ، فمعناه أحل علي في كل شيء يرد أمره إلي فإني بذلك أشهدك أنك لست غير الذي تصدر عنه الأشياء ؛ فيكون بذلك قد رد إليك ما رددته إليه . والأول أرجح بشهادة التنزل الذي بعده وهو : قوله : ( وقال لي : اذكرني في كل شيء أذكرك في كل شيء ) . قلت : هذا مثل الذي قبله ، والمراد بالذكر هنا ذكر القلب ، أي الحظ في كل جانب الحق تعالى فيه .