عفيف الدين التلمساني
236
شرح مواقف النفري
واعلم أن المعرفة في الثبات الأول الذي لا يصحبه الحجاب ، أي أن الثبات سببها . ولنا اعتبار آخر وهو الثبات الذي تكون المعرفة هي التي توجبه ، فذلك ثبات هو في المعرفة وليست المعرفة فيه . قوله : ( وقال لي : انظر إلى الشاهد الذي أنت به في الغيبة هو الشاهد الذي أنت به في الذمّة ) . قلت : معنى هذا التنزل هو معنى قوله : استوى الكشف والحجاب ؛ وذلك أنه أراد بالشاهد حقيقة الحال ، حتى كأنه قال انظر إلى حالك في وقت الغيبة عنه تعالى تجده عين الحال الذي أنت فيه مشاهده تعالى . غاية ما في الباب أن يرى الكون كما كنت تراه في صورته ، وينسب معناه لمكونه ، فيرى الكون من نور المكون ، وذلك مما لا يبقى أن يكون الكون هو الكون بعينه ، لكن يتبدل أسماؤه عند المكاشف لتبدل مسماه بالنسبة إلى أصله ، إذ هو من نور مشيئة ، وكان يظنه منفصلا عنه ، ولو انفصل الكون عن قيومية منشئه طرفة عين انعدم في الأزمان لسرعة انعدامه ، فإذن الشاهد واحد في الغيبة وفي الذمة . والمراد بالذمة الاتصال بالحضرة . قوله : ( وقال لي : إن أكلت من يدي لم تطعك جوارحك في معصيتي ) . قلت : يعني أنك إن كنت من أهل المشاهدة ، وجدت نفسك إنما تأكل من يده تعالى ، وكذلك ترى كل آكل ، لكن صاحب هذا المشهد لازم له أن يشهد أن لا فاعل إلا اللّه وحينئذ لا تكون المعصية صادرة عنه . فلو رام والحالة هذه أن يلابس المعصية على أنه هو القادر ، لم تطعه جوارحه بقيد هذا الاعتقاد فهو إذن قد عبر عن نسبة الفعل إلى الفاعل الحق بقوله لم تطعه جوارحه بضرب من المجاز ، فكأنه قال : لا يفعل معصية أبدا لأن الفعل لغيره لا إليه . قوله : ( وقال لي : إنما تطيع كل جارحة من يأكل من يده ) . قلت : هذا أيضا تتمة ذلك الكلام ، فكأنه قال : إن الجوارح إذا استجابت إلى داعي فعل من الأفعال ، فذلك الداعي إن كان هو الحق فما أطاعت في فعلها ذلك إلا الحق . لكن حال الشهود لا يرى الداعي غير الحق فهي ، أعني الجوارح ، إنما أطاعت في فعلها ذلك الحق لا غيره ، لأنها ، والحالة هذه من أن صاحبها إنما