عفيف الدين التلمساني
235
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : اجتمع بي تجتمع بمجتمع كل مجتمع وتستمع بمستمع كل مستمع فتحوي سواك فتخبر عنه ولا يحويك سواك فيخبر عنك ) . قلت : يقول أشهد أجزاءك الجسمية وغير الجسمية كيف تجتمع بقيوميته التي بها يجتمع كل مجتمع ، ويفترق كل مفترق ، فإنك ترى كل شيء مجتمعا ومفترقا هو قائم بتلك القيومية ، فيحوي بهذا الشهود كل شيء فيخبر عنه ولا يحويك شيء فيخبر عنك . قوله : ( وقال لي : قرب هو صفة بعد هو صفة حجاب هو صفة كشف هو صفة ) . قلت : القرب والكشف هما وجدان الشاهد في حقيقة المشهود ، وأما البعد والحجاب فهما وجدان المحجوب في حقيقة الكون ، وهذا الوجدان الثاني هو في نظر أهل الحجاب . وكل هذه صفات . قوله : ( وقال لي : قف من وراء الكون ، فرأيت الكون فسألت الكون فجهل الكون فسألت الجهل فجهل الجهل ) . قلت : الكون هو وجود الصور ، فالواقف وراء الكون هو الذي قطع النظر عن الإبداء والبادي فإن كان عن شهود فهو نظر حق وإن كان لم يكن فهو فرض ذهني ثم إن المسترشد من الكون أو من الجهل فإنه لا يظفر بجواب صحيح ، فإنه لا مرشد حقيقة إلا اللّه تعالى وحده . قوله : ( وقال لي : القوة في وجد الجهل الدائم والعزم في القوة والصبر في العزم والثبات في الصبر والمعرفة في الثبات وهو مسكنها ) . قلت : يعني بالقوة النفوذ في السلوك ، وذلك هو في الجهل الدائم ، ويعني بالجهل الدائم خروجه عن مقتضى العلم لدخوله بالسلوك عن ملاحظة صور المعتقدات العلمية ، فإن السالك إذا لاحت له الأنوار أغنته عن العلوم فيرى في النور ولا يخاف أن يضل في سيره وذلك هو العزم الذي هو نسبة إلى القوة ، وإذا استمر العزم صحبه الصبر ضرورة ، فالصبر إذن في العزم ، والثبات أيضا هو في الصبر لأنه لو لم يثبت لما كان صابرا ، وأما كون المعرفة في الثبات فإنه لا تحصل المعرفة لغير ثابت ، فإذن هو مسكنها .