عفيف الدين التلمساني
23
شرح مواقف النفري
على سيده هي بحسب مقامه ، فحاجة المبتدىء المحجوب في ابتداء طلبه إلى العلم النافع ليهتدي به إلى العمل الصالح ، وحاجة من فوقه أيضا من العباد ولهم حوائج كثيرة . منها : ما هو بحسب الجسم ، وهو مصالحه الضرورية . ومنها : ما هو بحسب النفس وهو إعراضها عما يوقفها دون المطلوب من مقاصد دنية وصفات مذمومة وتعلق بما فيه شائبة الهوى أو مقاصد الرياء . ومنها : ما هو بحسب مقام من المقامات أو حال من الأحوال فتكون الحاجة إذ ذلك إما إلى مرشد لضعف الاستعداد ، وإما إلى صحة مطلب لقوة الاستعداد ، وقد يقع في أثناء السلوك أمور صعبة ما يخلص منها إلا بالعناية ، وأكثر ذلك يفتقر فيه إلى شيخ عارف بالتربية ، وإذا أخذ العبد حاجته التي تجمعه في سلوكه على ربه تعالى فذلك سعيد في سلوكه سالم من شكوكه ، وأما من فاته ذلك فهو بضد حال من ذكرنا فإنه لا بد أن ينصرف عن طلب الحق تعالى بالقواطع والموانع ، وذلك رد من الحق تعالى لذلك الشخص إلى الأسباب التي تجمعه عليه ، فإنه هكذا أظهر حكمته ، وأكثر سبب التفرق ، بل جميعه ، إنما هو من ضعف الاستعداد ؛ فإن الاستعداد هو باب رحمة الملك الجواد ، وهو مجرى هداية الاسم الهادي ، فهذا معنى رددتك إليها ، وفرقتك عني بمقتضى اسمه المانع ، فإنه لا يكون في الدنيا والآخرة تعرّف إلا من حضرة اسم من الأسماء الإلهية . قوله : ( وقال لي : مع معرفتي لا تحتاج ، وما أتت معرفتي فخذ حاجتك ) . قلت : معناه أن تجليات المعارف هي أنوار تجمع الطالب على المطلوب فما يحتاج معها إلى مرشد من شيخ ولا من غيره ، وإذا أتت المعرفة فخذ حاجتك منها ، أو تكون ما نافية فقيل له إن كانت معرفتي لم تأت بعد فخذ حاجتك التي تجمعك عليّ . قوله : ( وقال لي : تعرّفي الذي أبديته لا يحتمل تعرفي الذي لم أبده ) . قلت : هذا إرشاد منه تعالى إلى طريقة تلقي الهداية من الاسم الهادي من حيث ما يبدو له من المعارف التي ترشده وتجمعه على ربه تعالى ، وصورة ذلك