عفيف الدين التلمساني

229

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : ما أنا معيون للعيون ولا أنا معلوم للقلوب ) . قلت : المعيون ما ينحصر في العيان ، والمعلوم ما ينحصر في العلم ، والجامع المحيط لا ينحصر فلا يليق به هذان الاسمان . قوله : ( وقال لي : كل نطق ظهر فأنا آثرته وحروفي ألفته فانظر إليه لا تعد لغة المعيون والمعلوم وأنا لا هما ولا وصفي مثلهما ) . قلت : معناه لا ينحصر ؛ إذ وصفه الإحاطة دونهما غير أنهما لا يخرجان عنه ، وكل معيون أو معيوني ، فإن العبارة تتمكن منه وأما إذا عبرت عنه وجدت العبارة من جملة ما عنه عبرت فلا يمكن التعبير عنه ، وهذا قول الغزالي رحمه اللّه : « إن الصوفي إذا اعتبر عن موجوده وجد لفظه فلا يشتمل على غلط لا يمكنه الاحتراز منه ونهاية أحدهم أن يقول : شعر : قد كان ما كان مما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر « 1 » قوله : ( وقال لي : ما نهاك شيء عن شيء إلا دعاك إليه بما نهاك عنه ، وأنا أنهاك فلا أدعوك إليّ بما أنهاك عنه وأدعوك إليّ فلا أنهاك بما أدعوك به ، ذلك الفرق الذي بين وصفي وسواه ) . قلت : معناه من ننهاك عن شيء دعاك إلى موافقة رأيه فيه ، وهو تعالى لا يجعل المناهي سبب العرفان ، وإنما يدعو إليه بالمحو ، وليس ذلك في وصف سوى وصفه . قوله : ( وقال لي : فعلك لا يحيط بك فكيف تحيط بي وأنت فعلي ) . قلت : معناه أنك فعل ونسبتك إليه تعالى كنسبة فعلك إليك . قوله : ( وقال لي : ألق إليّ وحكّمني أحكم بأقصى مسرتك ) . قلت : معناه سلم إليه ذاتك العبدية يجعلك ربّا .

--> ( 1 ) هذا البيت هو لابن المعتز عبد اللّه بن محمد المعتز باللّه ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي ، أبو العباس توفي سنة 296 ه .